التحفة البهية في الرحلة الشرقية
الجزء ١ · صفحة ٤3
يهتدى بها بمجرد ما يطلع عليها الى كافة الطرق التي يراد السير عليها من ذهاب في
البر وركوب في البحر وتفيده فوائد جمة وهو فى أشد حاجة اليها لانها تقوده الى مهمات الامور بسهولة من غير أجر وتبسط له المقالة فما غاب عن حافظته وتيسر له وله المطالب وتقرب له المقاصد فكانها شخص أمامه يريه على وجه الحقيقة كل ما يلزم الوقوف عليه مدة سفره في جميع المسالك والمذاهب فيكون كمن خاض البحر وأحسن السباحة فاستخرج الجواهر النفيسة مثل اللؤلؤ والمرجان فلولم يكن راكب البحر ما هرا فى صناعته بواسطة الارشادات التي اكتسبها من ذوى الخبرة التامة لما استطاع ان يغوص البحر وياج أعماقه ولما أمكنه ان ياتى لنا بتلك الجواهر الثمينة والمعادن النفيسة وكذلك السائح في أرض لا يعرفها كداخل بحر بجامع ان كلا في تيه وفضاء واسع لا يدرى أين يذهب كما أن الغواص محتاج بالضرورة الى مرشد يتمرن عليه في مبدإ أمره حتى تصير له الغواصة ملكة يقتدر بواسطتها على اقتحام الاخطار لينال النفيس من الاوطار كذلك السائح في حاجة الى دليل بتدى به فى ظلمات البر والبحر ويتقى به كل المخاوف التي تحول دون مطلوبه والمنعة من الوصول الى مرامه فاذا يكون فى مأ من حيث سلك طرق النجاة ليجنى اليانع من النمر والابكار من السفر
ولهذا النفع اعتنى المتقدمون بالسياحة وجمعوا كل ما وقع تحت نظرهم لتكون هدية لمن عاصرهم وذخيرة لمن بعدهم مع صعوبة السير وقتئذ لعدم وجود معدات السفر وفقد الامن على النفس وغير ذلك من الموائق الكثيرة وأما اليوم فقد سهلت طرق المواصلات بين سكان المعمورة على ظهر البسيطة برا وبحرا بواسطة الاكتشافات التي أحدثها بنو الانسان في القرن الاخير فبلغ الاستعداد للمسافرين ما يضمن لهم الراحة فوق ما يجدون في منازلهم مبلغ الا يحيط به الفكر ولا يدخل تحت وصف واصف من غير تفرقة في ذلك بين البر والبحر
فالمسافر بطريق البحر راكبا في الطبقة العليا أو المتوسطة يجد من لذيذ الاطعمة مع اختلاف ألوانها وكثرة أشكالها فوق ما يجده فى الامكنة الرفيعة من المدن الشهيرة وكذلك يقدم له من أصناف القوا که مايدهشه حيث براها في غير أوانها كالعنب فى الشتاء والرطب فى الربيع فضلا عن اللحم الطرى وأنواع الحلويات وأجناس المشروبات فكانه في بستان توفرت فيه كل الأثمار واجتمعت فيه سائر الرياحين والازهار واللحم الحنيذ والشراب اللذيذ ولم يقف الاستعداد للمسافر عند هذا الحد بل أوجد واله من آلات الطرب وأنواع المغانى والاوتار وضروب الدف والمزامير وليالى الفرح والسر و رمايدهش القلب و يأخذ بالا بصار فظهر لك أيها القارئ بهذا البيان المختصر كيف سهلت طرق المواصلات وكيف قربت المسافات فى البحر وأما مبلغ ذلك في البرفلا يحتاج الى بيان فلما كانت هذه الاستعدادات تكفل لعشاق السفر بالراحة فى الطريق الى مرامهم اتخذها علماء الاور باويين منهجا لدرس فنون السفر كمعرفة أحوال الأمم الراقية منها من غيرها ومقدار درجاتهم في العلوم العصرية والفنون الحديثة ونباهتهم فى السياسة وتقدمهم فى الصناعة ودرجاتهم في التجارة وثروتهم في الزراعة ومبلغهم فى التربية واعتنائهم بتهذيب الاخلاق واهتمامهم بتربية المواشى وغير ذلك من مهمات الاحوال التي تختلف باختلاف الرغبة والنباهة المتفاوتين بتفاوت الدرجة في العلم والذكاء فيقتطف الواحد منهم مجلدات من الدروس النافعة التي يجعلها غذاء لبنى جنسه ومرهما ناجعا في الخال الواقع لبنى وطنه وعلى هذا المنوال الجميل يقلد بعضهم
بعضا و يتسابقون فى الخيرات واكتساب الشهرة فى الاكتشافات و لم تقف سياحتهم عند هذا الحد فى البلاد المتمدنة التي يأمنون على أنفسهم بل يرتكبون الاخطار في قطع المفاوز والدخول في الصحارى والتوغل في اعماق الصحراء الكبرى والمخاطرة بانفسهم والتعرض