التحفة البهية في الرحلة الشرقية
الجزء ١ · صفحة ٦٣123
122
السبت 21 مارس فقام سائرا فى ضواحى باريز وسهول نهر السين وغير ذلك من الاراضي المكللة بالمزروعات المتنوعة و بالاشجار المختلفة المزينة بالبساتين الزاهرة والمناظر الطبيعية والجبال الرفيعة والاودية الناضرة والمياه الجارية والسواحل المملوءة بالقرى والمدن الجميلة ولم نزل نلتذ بتلك المناظر الطيبة حتى الساعة الرابعة مساء يومنا فوصل القطار الى محطة (ليون (فقصدنا بعد النزول الى غرفة السواحين قرب المحطة المسماة عندهم) أوتيل لنشار) وهو جميل ظريف ينشرح له الصدر وينسر لرؤيته القلب و اعلم ان هذه المدينة مشهورة بجودة صناعة الحديد والصوف والاقمشة الملونة المزينة بالذهب والفضة ولذلك يوجد فيها نحو مائة وأربعين ألف صانع من الشغلة بالمعامل والمنسوجات
و يبلغ. عدد سكانها (342000) نفسا و يشقها نهرا) الرون) و (الصون) و يتحد هذان النهران في أركان هذه المدينة. وشوارعها نظيفة للغاية ومشهورة بحسن الرونقة وتمام النظام وفي رحاباتها المتكاثرة كثير من التماثيل لبعض الملوك وأحسنها رحبة) مكور) بكسر الباء وضم الواو وهى فسيحة جدا ومزينة بالتماثيل وتضرب فيها الالحان الموسيقية في كل عشية ومبانيها جميلة وظريفة
وقد اشتهرت أهاليها بحسن الاخلاق و بياض البشرة ومحاسن الخلقة فيحصل للغريب سرور بمعاشرتهم هذا ومن يرغب التفرج على معامل الاقمشة فعليه بالمحل المسمى (كدواروس) حيث يجد فيه من البضائع الغريبة ما يدهش العقول وهناك أيضا نيا نرات بكثرة تجتمع الناس فيها لسماع الالحان والاصوات والتفرج على الالعاب الرياضية خصوصا محاسن نساء تلك المدينة المشهورة بالحسن والجمال
وفيها منتزهات كثيرة أيضاً غيران ما فيها مع بهجته الا يصل الى منتزهات باريس ولنكتف بما أوردناه هناك وقد كانت لنا صحبة ببعض المعامل
الحريرية بهذه المدينة فتوجهنا لزيارتهما وهما (طاكي) و (منار ورلان) فاستقبلونا بهتاف زائد وحصل لهم سرور جدا بزيارتنا لما لهم من المعامل الكبرى الحريرية وأحضروا لنا الشاى والقهوة وذهبوا بنا في تلك العشية للتنزه في بعض الامكنة الظريفة وكذلك الزمونا بالدخول الى التياتر والبلدى الجميل للتفرج على الالعاب الرياضية الغريبة التي تاخذ بالابصار وينعطف لها الوجدان وقد تقدم وصف هذه الالعاب في الكلام على باريز فارجع اليها لتعرف شدة تأثرها في النفوس وقوة تمكنها من الشخص ومبلغ بهجتها وحسن جمالها
و في صباح 23 مارس أحضر وا لنا العربية السريعة الجرى المعبر عنها عندهم بطمو بيل فركينا ها للنزهة فى المدينة وضواحيها مثل المتحف الاثرى وكتبخانة ودواوين الحكومة والرحبات الفسيحة والمنتزهات المفروشة بالاشجار العالية المكلة بالازهار السامية المزينة بالسواقى والاحواض من المياه الجارية وكذا عبرنا على القناطر المتينة البالغة النهاية فى دقة الصنعة واتقان الهندسة والمحلات الكبرى فى الاقمشة والمتاجر العظيمة خصوصا ما شاهدناه من المعامل الحريرية غزلا ونسج الاصحابنا وما لهم في ذلك من اليد الطولى والباع العظيم في أصناف الحر برمع اختلاف طبقاته وتفاوت أجناسه وكذا من أصناف الاقمشة التى لا يحيط قلم كاتب باحصائها وهى فيما عليه من جودة الصناعة ومتانة المادة ورونقة الالوان و زخرفة الاشكال بالغة مبلغ العجب
وهذه المدينة مشهورة بالتجارة العظمى وهى وان كانت برية لكن أهميتها في المعامل والتجارة قد تزيد فائدتها كثيرا على الموانى البحرية ولذلك خص لنقل البضاعة فقط ثلاث محطات متباعده عن بعض باطراف المدينة وثلاث محطات أخرى لخصوص الركاب والجملة ست محطات للسكة الحديدية بهذه المدينة وهى طولا نحو خمسة كيلومتر وعرضا نحو ثلاث كيلومتر ويبلغ سطحها بهذا التقدير (15000) مترامر بما و في ضواحيها بهمون كثيرا