النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر التركي أحمد مختار عمر

النشاط الثقافي في ليبيا

الجزء ١ · صفحة ٨٧

ومما يدل على انتفاء الصفة التخريبية عن هؤلاء الأعراب أننا نجدهم بعد وقف القتال وتوطنهم في البلاد - نجدهم قوما مستقرين ميالين للدعة والسكينة، مشتغلين بالتعمير والزراعة محبين للعلم والحضارة. فهذا ابن خلدون يقول عن قبيلة العزة التي نزلت بالجهة الشرقية من ليبيا: «وركاب الحج من المغرب يحمدون مسالمتهم في مرهم وحسن نيتهم في التجافي عن حاج بيت الله وإرفادهم بجلب الأقوات لسربهم وحسن الظن بهم» (201). وهذا ابو عبيد البكري (المتوفي سنة 487 هـ) يتحدث عن ليبيا فيصف مدينة برقة بأنها دائمة الرخاء كثيرة الخير وأكثر ذبائح أهل مصر منها. وهي كثيرة الثمار والفاكهة». ويصف اجدابية بأنها مدينة كبيرة في الصحراء. ذات بساتين لطاف وأسواق حافلة مقصودة» ومدينة سرت بأنها «مدينة كبيرة على سيف البحر .. لها نخل وبساتين وآبار عذبة ولحمانها عذبة طيبة». ويصف طرابلس بأنها «ذات أسواق حافلة جامعة، وحمامات كثيرة فاضلة كثيرة الثمار والخيرات (202). فهي صورة تختلف تماما عن الصورة القائمة السوداء التي ألصقت ببني هلال وسليم وليس هذا فحسب، فلدينا شهادة شاهد عيان زار البلاد في ا القرن الثامن الهجري وهو التجاني، وقد كتب في رحلته مشاهداته وملاحظاته ومن بينها ما رآه من عمران وغرس وزراع وما شاهد من زوايا فيها كتب كثيرة محبسة وبها أماكن لضيافة الزوار وتقديم الطعام لهم (203).

ومهما يكن من شيء، فهناك إجماع تام على أن استيطان هؤلاء الأعراب في بلاد المغرب وانتشارهم في الأرض ومخالطتهم للبربر وامتزاجهم

201 - قبائل العرب في ليبيا ص 93 202 - المرجع السابق ص 102، 103

203 - التيجاني ص 213 واحسان عباس: تاريخ ليبيا ص 153 وقبائل العرب في ليبيا ص 97

وما بعدها.

85