تجارة بني ميزاب: تجسيد المنهج الإسلامي في إدارة الأعمال التجارية بوداود بومدين

تجارة بني ميزاب

الجزء ١ · صفحة ٨

تجارة بنى ميزاب

(12)

والدينية الى سلطة تعسفية أن النظم الاجتماعية التي تكونت في المجتمع الميزابي إنطلاقا من التشريع والقيم الاسلامية ممثلة في نظام العزابة والمجتمع المسجدي ونظام العشيرة والمجالس كلها شكلت حركة تقدمية للمجتمع، بمعنى أنها ركزت على الوحدة المجتمعية من خلال التراضي والقبول في المساهمة المجتمعية من دون ضغط أو إكراه ووفق ضوابط اجتماعية واقتصادية وسياسية واضحة. كان مبدأها التحدي والاستجابة وهو الحافز والمساعد للمجتمع الميزابي وبنياته الاجتماعية لمواجهة الظروف المناخية والجغرافية وحتى البشرية المحيطة به مهتديا بالشريعة الاسلامية ودعوة المذهب الأباضي والحرص على تطبيق مبادئه ميدانيا.

لم ينصف الباحثون بعد بني ميزاب وتجربتهم في كثير من المجالات التي ينبغي تسليط الضوء عليها والتعريف بها؛ خاصة تلك المرتبطة بتراثهم وبشهرتهم الواسعة في ميادين عديدة، خاصة في تنظيم شؤون حياتهم، وتعاملهم مع الاخرين لا في الجزائر، بل في المغرب العربي الكبير.

ان مسارهم الحضاري ترك سماته الطيبة في مناطقهم وما يحيط بها، و هو كان قد تغلغل في وادي بني ميزاب ومحيطه المغاربي منذ مايزيد عن اثني عشر قرنا، إبتدأت مع بدايات الفتح الاسلامي للمغرب العربي، وما تلته من الاحداث التاريخية المتتالية ساهم بها الميزابيون بكثير من الحراك الدعوي والاجتماعي المرتبط بنشاطهم

(13)

تجارة بنى ميزاب الزراعة الموسمية منها والدائمة. وحيثما توفرت الارض والظروف المناسبة ومهما كانت المصاعب، حيث سعوا الى إستصلاحها وزراعتها وتمدينها.

كما ان الاعتماد الذاتي على اياديهم الماهرة في بعض الصناعات كنسج الخيام والالبسة من الوبر واحيانا من الصوف، مهد الحضور لمثل تلك الصناعات والمتاجرة بمنتوجاتها سواء بين مدنهم أو مع العالم من حولهم، استعانوا بالصبر على قسوة الطبيعة مؤمنين بعقيدتهم لمواجهة شظف العيش متسمين بكدهم المستمر وتقديس العمل اليدوي سواء كان ذلك للرجال أو عبر الانتاج الاسري، حيث يبرز دور المرأة فيه واضحا، فهي منتجة ومديرة للمنزل ومشرفة على تربية الاولاد عند غياب الزوج ان الاقتصاد في النفقات وتحمل شظف العيش وفر التراكم المطلوب لرأس المال وتحريكه تجاريا وفق معاملات أكدت مصداقيتها في أسواق وادي ميزاب ثم انتشرت حوله الى المحيط والاقاليم البعيدة. ان التنظيم الجيد للقوافل التجارية وحراستها والامانة التي اتصف بها التجار الميزابيون وابتعادهم عن المضاربة والاحتكار للسلع منحهم الاحترام والثقة وقد تم ذلك تحت اشراف ومتابعة حلقات العزابة في الاسواق والمدن. لقد وصلت الرقابة الاخلاقية على سلوك التجار حتى الى مراقبة المكاييل وطرق التوزيع للسلع وظل قانونها الاساسي، إسلامي، هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتبرئة

الثقافي والاقتصادي والسياسي، سواء في وادي بني ميزاب أو محيطه عن المخطأ حتى يعلن توبته وبشهادة الاشهاد، وأمام الجماعة في

الجغرافي والبشري، فقبل استكشاف مناحي التجارة وطرقها وتنظيم اسسها لديهم ومن ثم النجاح فيها كان هناك جزء أساسي من سكان الوادي يعيشون على تربية المواشي، محتفظين بجزء من خصائص قبائل البدو، لكنهم في الوقت نفسه، حرصوا على إعمار قراهم ومدنهم من خلال الاعتماد على الفلاحة والاستقرار، والاستفادة من

المسجد.

ان الرقابة الاجتماعية باشراف المجالس وحلقات العزابة ظلت تمتلك سلطة الضبط، وحتى القرار أحيانا، على حركية المجتمع والتجارة واحدة من مكوناتها ....