الشيخ العلامة أبو عمار عبد الكافي التناوتي (500-569هـ): عصره وحياته وفكره سالم بن هلال الخروصي

الشيخ أبو عمار عبد الكافي عصره وحياته وفكره

الجزء ١ · صفحة ١٥

رستم يهيئ الظروف لتأسيس الإمامة؛ فأعد عدته منذ سنة (147 هـ) وعمد إلى نقل عاصمة الإمامة من طرابلس في المغرب الأدنى إلى تاهرت في المغرب الأوسط على خلاف ما اتفق عليه حملة العلم الخمسة من جعل طرابلس عاصمة للإمامة الإباضية، وذلك لما رأى قربها من مركز الخلافة العباسية، ووقوعها بين شقي الرحا: القيروان، وعاصمة بني العباس.

بويع الإمام عبد الرحمن إماماً للإباضية سنة (160 هـ) وكانت مبايعته إيذانا بعهد جديد، يعد بحق العصر الذهبي للإباضية في المغرب لم يروا قبله ولا بعده. فلقد استطاع الإباضية فيه تطبيق مبادئهم، وممارسة نفوذهم طيلة الحكم الرستمي الذي استمر حتى سنة (296 هـ)، بل امتد تأثير هذه الفترة من الحكم الإباضي وبقيت ثمارها حتى بعد زوال دولة الرستميين، فظلت أعلام الإباضية تخفق في شمال أفريقيا وظل أهلها يتنسمون عبيرها جيلاً بعد جيل، وكان أهم ما حققته إمامة تاهرت وما جنته بلدان المغرب من ثمار:

1 - توسع انتشار المذهب الإباضي ابتداء من المغرب الأدنى ومروراً بالمغرب الأوسط وانتهاء بالمغرب الأقصى وبلاد السودان.

وبالمقابل تقلص مذهب الصفرية حتى لا يكاد يُرَى له أثر في شمال أفريقيا بعدما لاقى نجاحاً في فترة الثورات الصفرية المتتالية وانصهر أتباعه في زمرة الإباضية بعدما تخلوا عن أفكارهم الهدامة.

نشاط الحركة الاقتصادية والعلمية والدينية في هذه الفترة ورسوخ مبادئ الإسلام من المساواة والشورى وغيرهما بين البربر، وهو أمر طبعي حيث إن النمو الاقتصادي والرخاء الاجتماعي مرهون بالأمن الذي تكفله شريعة الإسلام الغراء في أي قطر وعلى مر الأزمان، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فهذه

الدولة لم يكتب لها الدوام، ودوام الحال من المحال، حيث انتهت هذه الدولة

C

بمقتل أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان (1)، وانحسر المذهب الإباضي وأتباعه وخاصة بعد معركة " مانو " سنة (283 هـ)، والتي قتل فيها أربعمائة من علماء " العامة اثنا الإباضية، ومن الفا عشر، وكانت هذه المعركة بين الإباضية، وإبراهيم ابن أحمد الأغلب الذي بعثه المتوكل الخليفة العباسي لقتال الإباضية بتاهرت، إلا أن " نفوسة " صدمته في معركة ضارية بموقعة مانو، وكان ذلك في عهد أبي حاتم. وبفناء الإباضية في "نفوسة " انقطع المدد الذي كان يصل الإمامة بتاهرت حيث كان عليها الاعتماد في الناحية العسكرية، وكما يقال في سير الإباضية "إنما قام هذا الدين بأموال مزاته وسيوف نفوسة (2).

ثم تبعت ذلك ثورات إباضية أخرى أدت إلى انحسار المذهب، وبقيت الإباضية إلى يومنا هذا في شمال إفريقيا متمركزة بجبل نفوسة، وزواره بطرابلس في ليبيا، وجزيرة جربة بتونس، ووادي ميزاب ووارجلان بالجزائر، ولكن مع تفرق الإباضية وانحسارهم لم تنته الحركة العلمية والثقافية، بل أصبحت متواصلة حتى يومنا هذا، وظهر عبر القرون أعلام أَثْرَوُا المكتبة الإسلامية، وأسهموا بجهود عظيمة في الدفاع عن حياض هذا الدين، وظلت مؤلفاتهم شامخة، وشاهداً على مكانتهم وعصارة فكرهم نبراساً للأجيال من بعدهم، ومن هؤلاء شيخنا العلامة أبو عمار عبد الكافي التناوتي الوارجلاني الإباضي الذي ظهر في القرن السادس الهجري والذي نتناول فكره وعصره وشخصيته في الصفحات التالية إن شاء الله.

ا) كان مقتل أبي حاتم سنة (294 هـ) على يد إخوانه ظناً منهم أنهم أحق بها منه، وبعدها نصبوا اليقظان ابن أبي اليقظان الذي آل أمره إلى القتل على يد عبيد الله الشيعي سنة (296 هـ) وسقوط تاهرت: وانقراض الدولة الرستمية. انظر الأزهار الرياضية ص 291، طبقات الدرجيني، ص 87.

،

25

طبقات الدرجيني، ص 87.

24

24