الشيخ أبو عمار عبد الكافي عصره وحياته وفكره
الجزء ١ · صفحة ٥٤نشأته ورحلاته: مما لا شك فيه أن النشأة لها دور كبير في تكوين شخصية الفرد واستكمالاً للحديث عن شخصيته نتحدث في هذه الصفحات عن نشأته ورحلاته.
ا المطلب الأول: النشأة العزابية لأبي عمار
ولد أبو عمار ونشأ في بيت علم وعبادة وصلاح وتقى، فلقد كان والده وجده من العلماء الصالحين (1) وخال والده أبو يعقوب الوارجلاني من العلماء الفطاحل الذين يشار إليهم بالبنان (2) مع ما كانت عليه هذه الأسرة من الغنى واليسار ورغد العيش.
عاش أبو عمار في تناوت التي انتقل إليها والده في آخر عمره كما ذكر الوسياني في سيره (3) ولقد كانت نشأته تتبلور في المحافظة على التعاليم الدينية والقيم سيره" الخلقية في ظل نظام العزابة في فترة من أصعب مراحل الحياة بوارجلان وحقبة تاريخية لا تُنْسَى، انتشر فيها السلب والنهب واختل فيها الأمن ففسدت الأخلاق
إلا من رحم
الله
هذا
، ولذلك فإن المحافظ على دينه كالقابض على الجمر يتذمر من الوضع كما هو الحال عند والد أبي عمار فقد كان كثيرا ما يردد: ((لم يعجبني ما
1) يورد الوسياني في سيره كرامات لجد أبي عمار بروايات والده، ومنها اتساع قبره حين مواراته وله كرامات أخرى ذكرها الشماخي في سيره سير الوسياني ص 258 مخطوط، سير الشماخي ج 2 ص
0147،148
أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي. ت. مصطفى باجو ص 89. سير الوسياني ص 358 مخطوط.
رأيت من أهل هذا الزمان وليس على هذه السير أدركنا أوائلنا ألا لم تكن النجاة
إلا في مثل ما أدركنا عليه أوائلنا فلا أرى أهل هذا الزمان ينجو منهم إلا من شاء الله). لقد فطن والد أبي عمار إلى حال مجتمعه فعقد العزم على تربية أبنائه التربية الإسلامية الصحيحة التي نشأ عليها فوجد ضالته في حلقات العزابة التي أسسها أبو عبد الله محمد بن بكرت (440 هـ) والتي سرعان ما انتشرت في كافة المجتمعات الإباضية بالمغرب الأدنى والأوسط.
إن حلقات العزابة في تلك الفترة بجانب سلطتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية تمثل مدرسة لتعليم أبناء المجتمع الإباضي يفد إليها الإباضية لتلقى العلوم الإسلامية على يد مشايخها من مختلف بلدان المغرب ويشترط نظام العزابة استظهار يخها من القرآن الكريم لمن يرغب الالتحاق بحلقاته واجتياز اختبار القبول الذي يمتد من ثلاثة أشهر حتى سنة كاملة ليتسنى لشيخ الحلقة معرفة سيرة الطالب وسلوكه بالسؤال عنه ومراقبته قبل أن يضمه إلى باقي الطلاب (2)
حفظ أبو عمار القرآن الكريم وهو صغير، واجتاز اختبار القبول بنجاح منقطع النظير، والتزم أبو عمار بالوظائف المعهودة إليه وهو في دور التلاميذ، وهو ما يسمى بالسيرة في نظام العزابة ((من التخلق بالآداب الإسلامية والتفاني في عمارة المسجد ـ مقر العزابة - وخدمته والإعراض عن زخارف الدنيا ومتاعها إلا في حدود ضرورية والإخلاص في أداء الواجبات والمفروضات ومدارسة القرآن واستزادة العلم والحرص على المصلحة العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
نفس المصدر السابق ص 358.
2) نظام العزابة ودوره في الحياة الاجتماعية والثقافية بوادي ميزاب. ت. اسماوي صالح ص 54.
103
102