مدينة الأخلاق
الجزء ١ · صفحة ٢٧ضحك ضحكة ساخرة وقال: الاستقامة! لماذا الاستقامة؟ هل تريد أن تزيدني تعقيدا وهما وضيقا؟ ألا يكفي ما أعانيه؟ فقد سألت عن حياة المستقيمين فقيل لي أنهم معقدون، يحرمون كل شيء، لا يعرف الضحك إلى ثغورهم سبيلا كل أوقاتهم حزن وبكاء فكيف أجد في حياتهم الدواء؟
- قال عمر: هل جربت بنفسك الاستقامة؟ هل عاشرت أحد المستقيمين؟
- قال: لا، ولكن لماذا الاستقامة؟ أتظن أنها ستحل مشكلتي؟ ولماذا الاستقامة بالذات؟ عمر: أما وقد أكثرت علي السؤال لماذا الاستقامة، فأمهلني بعض الوقت أُحِبُكَ على هذا السؤال، فهل في وقتك متسع كي أبين لك كيف تكون الاستقامة سببا للسعادة
ولماذا الاستقامة بالذات؟
- أجاب أيمن: تفضل، فَوَقْتِي كُلُّهُ مِلْك لك، فالفراغ يكاد يغتالني.
- عمر: إذن فتحملني حتى أتم حديثي، ولي رجاء ألا تقاطعني، فقط أعرني سمعك. أيمن لا بأس لا بأس تفضل. عمر: لماذا الاستقامة؟
لأن الاستقامة استجابة لأمر الله وأمر رسوله، وموافقة للفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وهي موافقة للعقل السليم الذي وهبك الله إياه، فالعاقل لو خير بين طريقين: أحدهما مستقيم معبد واضح بين سهل، والآخر منشعب وعر معوج، فلا شك أنه بعقله السليم يختار الطريق المستقيم، فما بالك بطريقين أحدهما يوصل إلى رضوان الله والجنة والآخر يوصل إلى سخط الله والنار فماذا يختار العاقل اللبيب؟ والاستقامة موافقة للكون
من حولك، فالكون كله مستقيم على أمر الله، أرْضُه وسماؤه، جباله وبحاره، وديانه، وأنهاره دوابه وأشجاره كواكبه ونجومه الكون بأسره عابد الله -تعالى-، مطيع لسيده ومولاه، فتأمل يا أخي الحبيب حال الكون من حولك كلُّ يسجد لله يعبد خالقه و مولاه، الشمس تسجد القمر يسجد السماوات تسجد الجبال والدواب والأشجار والأنهار كلها مستقيمة عابدة الله تلهج بالتسبيح له، وإنه لمشهد كوني فريد، حين يتصور القلب كل حصاة وكل حجر كل حبة وكل ورقة كل زهرة وكل ثمرة كل نبتة وكل شجرة كل حشرة وكل زاحفة كل حيوان وكل إنسان كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء
والهواء، ومعها سكان السماء .. كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه.
وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما لا يراه، وكلما أرادت يده أن تلمس شيئًا، وكلما همت رجله أن تطأ شيئًا .. سمعه يسبح الله وينبض بالحياة. أخي الحبيب إني أدعوك إلى موافقة الكون من حولك بالاستقامة على أمر الله لا تكن شادا، الكون في اتجاه وأنت في الاتجاه المعاكس لا تكن عدواً للكون الذي تعيش فيه وتتمتع به فيبغضك كل شيء، الأرض التي تمشي عليها، والسماء التي تظلك، والماء الذي تشربه والهواء الذي تنفسه، والغذاء الذي تطعمه والثوب الذي تلبسه .... وغيرها من
مخلوقات الله في هذا الكون.
أخي الحبيب، إني أدعوك إلى موافقة الكون، وعندما توافق الكون فتستقيم على أمر الله فإن الكون بأسره يمنحك الحب والوداد يفرح لفرحك ويحزن لحزنك، كيف لا وأنت تتفق معه في العبودية لله رب العالمين؟ بل إنه من فرط حبه لك عندما يفجع بموتك يجهش ما أجملها من حياة يحفها الحب والوداد بالبكاء ويخيم عليه الحزن والأسى؟ تي يشتاق إليه، ويحزن لفراقه
فَإِذَا فَارَقَهَا الإِنسان لاره