الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

ولغلبة الطبع الأدبي على صاحبها الأديب محمد بن العابد الجلالي، فإنه كان يتناول المظاهر الاجتماعية التي يريد انتقادها بأسلوب فيه رمز وفيه إشارة، محاولا الابتعاد عن التناول المباشر، الذي كان وما يزال أسلوبا مفضلا عند كتاب المقالة الصحفية.

وأغلب تلك المقالات كانت تتناول بالنقد اللاذع والسخرية المريرة المظاهر الاجتماعية الشاذة، وقد كان الجلالي معروفا بمعالجته لهذه المظاهر منذ أن كان متجولا لجريدة "المنتقد" في سنة 1925 تحت عنوان "وقفات"، كما كان ينتقد وضعية المستعمر وحكامه أو وضعية الخرافيين والمبتدعين من رجال الطرق، مما يجعلنا نستطيع القول بأن الجريدة كانت من حيث الاتجاه إصلاحية وطنية وقد لمح رئيس تحريرها إلى اتجاهه المنكر للخرافات المبتدعة والتقاليد البالية التي شاعت وذاعت في أعقاب الطرقية منذ البداية

وذلك حيث يقول:

وقد انتقى له من الأسماء "أبو العجائب" رجاء أن يأتي في مستقبل حياته بالغرائب وهو الآن بين المرضعة والداية يشق طريقه إلى الغاية، لم يطوق عنقه بحرز ولا تميمة، لأن ذلك بدعة ذميمة نفر منها الذوق، وكسد بها السوق وكل ما صادم العقل، وخالف النقل يوشك أن يأتي عليه يوم، ينعى فيه هلاكه النوم، غير مأسوف على فواته، ولا مترحم على وفاته .....

ويبدو من صاحبها أنه كان يفرغ أفكاره في هذا الأسلوب الفكاهي الذي اختاره لجريدته عن قصد بل أنه طالب الكتاب أن ينسجوا على منواله، حيث جاء في افتتاحية العدد الأول ويلاحظ في هذا العدد أن تكون الكتابة بشيء من روح النكتة والفكاهة ليخف حملها على القراء المثقلين بأعباء الخطوب والدواهي وهكذا نجد مقالات انتقادية تتناول أغلبها ظاهرة من الظواهر الاجتماعية الشاذة أو تفضح شخصية منحرفة من الشخصيات الاجتماعية أو الدينية 3 أو تعالج خلقا من الأخلاق الانهزامية المريضة 4 أو وضعية من الوضعيات التي كان الأهالي يتعرضون لها من جانب السلطة الحاكمة 5 ولكن الأسلوب كان في الأغلب الأعم أدبيا، فهو إما في قالب الحوار بين الكاتب وغيره.

1. يعرف ابن العابد الجلالي بأنه من أوائل من عالج كتابة القصة في ا الأدب الجزائري الحديث، وكان ينشر أغلبها في مجلة الشهاب بتوقيع "رشيد".

2. انظر بعض حجاجنا ع 3 - 6 - 1934)، أيضا وصايا أبي العجائب س

أو في قالب الحكاية مما يصح أن يطبق عليه المقال القصصي، أو في قالب الرمز والتلميح والإشارة والتعريض. ولذلك وعندما راح يتكلم عن خنق الحريات تحت الحكم الاستعماري، اختار أسلوبا رمزيا فيه تلميح، وفيه تعريض، وفيه سخرية مستغلا الحوادث أحسن استغلال، مشيرا إلى هذا الاضطهاد الذي ما انفكت الصحافة العربية معرضة له، وذلك حيث يقول: "شعر الناس في قسنطينة بزلزال خفيف بعد زوال 15 آيار، فسأل أبو العجائب عن سببه، فقيل له: إنه ناشئ عن تنفس الأرض من شدة الحرارة التي في جوفها. وأبو العجائب كما تعلمون من الحيوانات ذات الكبد الرطبة، ومع ذلك فهو محجر عليه التنفس، فكان من الطبيعي أن يهيج هذا الخبر في نفس أبو العجائب الحساس غضبا شديدا وفي الوقت نفسه رآه فرصة مواتية لتقديم احتجاجه ضد هذا التصرف، لماذا يرخص للأرض وهي جماد أن تتنفس، ولا يرخص لي أنا؟ فخير لي أن انقلب حجارة … وأحيانا أخرى يستدل بأسلوب الرمز أسلوب الحوار، كهذا الحوار الذي أجراه بينه وبين أحد المواطنين يقصد من ورائه إلى توعية الجزائريين بواقعهم المرير تحت الحكم الاستعماري، وعنوان المقال: لماذا؟، لماذا أنسب إلى وطن؟ وأعامل فيه معاملة الأجنبي؟ لماذا أجبر على تقديم أولادي إلى الجندية. وأرفض إذا قدمتهم للتعليم.

~1

لأنك: … لأن جذوة الشعور خامدة فيك، لأنك لا تعرف قيمة العلم إلا تقليدا لأنك تجهل معنى الحقوق. لقد غضبت الإنسانية، وانتقمت لكرامتها، ومازالت تغضب وتنتقم، فهل كنت أو تكون لها عند غضبتها؟ .. 2. ويبدو من خلال الأعداد التي عثرنا عليها والمصادر القليلة التي تعرضت لتاريخ هذه الجريدة، أنها لم تستمر سوى شهرين إذ لم يصدر منها سوى

عشرة أعداد فقط 3

1. في أسبوع العدد 1.

2. أبو العجائب ع 9 (19 - 7 - 1934).

208

3. إمام بالمطلة ع: 6 (28 - 6 - 1934)

4. التردد، ع: 7 (5 - 7 - 1934)

5 الفلاحة، ع: 9 (9 - 7 - 1934).

209