الصحف العربية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ١١٤والمطلع على محتويات جريدة "الليالي" يعجب بنزعتها الإصلاحية الوطنية، وأسلوب تحريرها الأدبي الجميل، فقد كان المحررون بها الناس عرفوا بتحريراتهم العذبة من أمثال محمد السعيد الزاهري، والشيخ. بكوشه، والشاعران الطاهر بوشوشي، ومفدي زكريا. وكانت في مواضيعها مهتمة بنقد الأوضاع الداخلية، وما فيها من اللسان إداري أو اجتماعي أو انحراف ديني، مما جعلها تلاحق مدير الشؤون الأهلية السيد ميو، بمقالات تمتاز بأسلوبها التهكمي الصريح، وتلذ القارئ بمسحتها الأدبية الطريفة.
من ذلك مثلا هذه الفقرات الصادرة تحت عنوان "ميو ميو! و! " "كنت يوما جالسا في منتزه عام، فجلس حولي بعض الأصدقاء، وأنبوني على الفصول التي في "الليالي" ي" ضد المسيو "ميو" تأنيبا حارا، وحذروني من سوء مغبة ذلك إن أنا أرخيت لقلمي العنان في هذا الميدان، فقلت لأكبرهم خبرة: "ماذا عساه أن يلحقه. بي المسيو ميو من الضر؟ فقال لي ألم تعلم أن قانون المسيو ريني مسلول على الرؤوس كالسيف؟ ولو أراد أقل ضابط من ضباط البوليس تمطيطه وتطبيقه عليك لطبقه وأدخلك السجن "باربروس؟ فقلت له: " والسجن إن لم تغشه لدنيه فلنعم هو المنزل المتورد، فقال: دعني من خيالات الشعراء … وبينما نحن على تلك الحالة حتى بلغنا بطريق الهاتف خبر سجن العلامة الجليل الشيخ العقبي واتهامه باطلا بتلك الجريمة الفظيعة، فقال لي صاحبي السعيد من اتعظ بغيره وخرج مودعا. وعاد إلي في ثاني يوم فوجدني أقرأ في درس في العروض في البحر الطويل وكتبت على السبورة البيت: " على وجه مي " مسحة من ملاحة .... وطلبت من تلميذ تقطيعه، وكان التلميذ بليدا فقرأها ميو .. فخرج صاحبي معاتبا ومغاضبا وقال إلى الآن لم ينتهوا. وبينما هو خارج بسرعة اصطدم بالقطة فقالت: ميواميو! … " 3.
1. الليالي ع 12 (27 - 9 - 1936).
2 البيت لذي الرمة وتتمته هكذا: على وجه مي مسحة من ملاحة، وتحت الثياب العار لو كان باديا والتعريض بميو هذا واضح.
كما يبدو من خلال موادها نزعتها الإصلاحية الصريحة أو بالأحرى الممثلة لوجهة نظر جمعية العلماء السياسية آنذاك، فهي مثلا كانت ترى بأن الحزب الشيوعي في سبيل المصلحة الوطنية أمر تحتمه الظروف، التعاون مع وتفرضه طبيعة المرحلة النضالية في تلك الفترة. فنجدها في افتتاحية عددها الثاني عشر ترد على مقال الصحفي فرنسي مدعي شارل كومب نشره في مجلة "النهوض" الفرنسية؛ يندد فيه هذا الأخير بالتعاون الموجود بين الشيوعيين وجمعية العلماء.
ويذهب محرر المقال إلى أن شارل كومب من الذين ينظرون إلى الإسلام والمسلمين بعين عوراء وأخرى عمياء، وأن صحيفته التي أسسها منذ ثلاثين سنة معروفة لدى القراء بكتاباتها الأثيمة، التي تتحرش دائما للإيقاع بين الحاكم والمحكوم ولاسيما في الأوقات التي تشعر فيه بقرب المسافة بين الراعي والرعية. وقد كتبت ذلك المقال المغرض حين أخذ كل يعمل لتوثيق رابطة الأخوة الإنسانية التي هي أسبق أخوة وأشملها لبني البشر عامة 2. وهو إنما كتب ما كتبه بدافع العداء للإسلام والمسلمين، والخاص الشيوعيين "أنصار الضعيف حيثما حل وارتحل لا لذنب ارتكبوه إلا أنهم وعدوا المسلمين؛ وهم الضعفاء أن يعاملوهم معاملة إنسان لأخيه الإنسان، ويدعوا لهم المجال فسيحا للإعراب عما يختلج في صدورهم حتى لا يبقى الحقد كامنا في الوجدان 13. ويوضح صاحب "الليالي بأن التعاون بين العلماء والشيوعيين إنما المقصود منه المصلحة الوطنية قبل كل شيء، وقد زاد من هذا التقرب شراسة المعمرين والمتطرفين من المستعمرين الذين يصرحون بمقصدهم الاستعماري الرهيب كمثل قولهم المسلمون لهم ما يزيد على القرن تحت النفوذ الفرنسي لم يجدوا عنان القول فسيحا في يوم من الأيام إلا في الزمن الذي انتخبتم فيه فلان وفلان … (من الشيوعيين) "فكيف بعد سماعنا هذا
1. عنوان المقال " الخنجر الشيوعي تحت باقة ورد الصداقة الإسلامية"، الليالي ع 12 (27 - 9 - 1936)
3.2 م س
3 المقال بإمضاء هو، وصاحبه الحقيقي هو الشيخ حمزة بكوشه كما أفادني بذلك، وكان يوقع أيضا.
سهيل"
223
222