الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٣٢

وكانت "المنتقد" بحق لسان حال الشباب الناهض في القطر الجزائري كما قال ابن باديس، فهي تعد الجريدة العربية الجزائرية الأولى التي جمعت الأقلام الإصلاحية المتمثلة في الشباب العربي المثقف العائد من جامع الزيتونة والأزهر ومعاهد الشام والحجاز، بعد الحرب، وكان هدفهم واحدا يوجزه شعارهم الوطن" قبل كل شيء وخطتهم مشتركة وهي الاصلاح الداخلي أولا في سبيل إصلاح شامل.

ومن هنا اتجهت جريدة "المنتقد إلى الإصلاح الديني توليه عناية فائقة وحاربت الخرافات والبدع التي كانت تروج في ركاب الطرقية المنحرفة محاربة لا هوادة فيها ولا لين ولعلها لم تختر هذا الاسم عنوانا لها إلا لتعرض بالإعتقاد الذي يشيعه أدعياء التصوف في الشعب الساذج آنئذ "أعتقد ولا تنتقد" وقاومت في الجانب الآخر أفكار الفرنسة والتغريب التي كان الاستعمار يبثها في عقول الشباب الجزائريين تلفت الجزائريين المسلمين إلى حقيقة وضعيتهم بين الأمم بأنهم أمة لها قوميتها ولغتها ودينها وتاريخها فهي بذلك أمة تامة الأممية، لا ينقصها شيء من مقومات الأمم 2.

كما تعتبر المنتقد تحولا مهما في تاريخ الحركة الفكرية والأدبية في الجزائر، لأنها تختلف كل الاختلاف عن الصحف التي سبقتها، سلاسة أسلوب، ومتانة لغة وعمق أفكار إذا استطاع ابن باديس أن يضم إليها خيرة الأقلام العربية آنئذ مثل مبارك الميلي، والطيب العقبي، والفرقد وأبي اليقظان ومن الشعراء محمد العيد ومحمد الهادي السنوسي "شاعر المنتقد" وكذلك كان يوقع قصائده بها.

ولكن لهجتها الحارة وحملتها الصادقة ضد الخرافات والبدع، أثارت حفيظة بعض الطرقيين عليها وساندهم في ذلك بعض رجال الدين الرسميين فأخذوا يسعون بالوشاية لدى السلطات الفرنسية ضدها حتى عطلت بأمر حكومي بعد أن دامت أربعة أشهر (29 - 10 - 1925) أصدرت خلالها ثمانية عشر عددا وكانت في بنيان النهضة ثمانية عشر سنداً.

1. أنظر .. الشهاب ج (1). 14 مارس 1938 ص 71.

2 الشهاب ج (1) م، (11 أفريل 1935).

وفي هذا يقول ابن باديس … ولكن أثار الذين اعتادوا التملق صدقها، وكبر

على الذين تعودوا النفاق، صراحتها، وهال الذين اعتادوا الجبن من الرؤساء أو استاد و الجمود من الأتباع صرامتها أجمعت هذه الطوائف أمرها فأخذوا يسعون

في الوشاية ضدها، وحمل الحطب للمراجع العليا لحرقها، حتى عطلت. وحقيقة التعطيل تتجلى في خوف الاستعمار من هذا التيار كما يدل على ذلك قول ابن باديس .... ولم نعجب من هذا كله، لأن جريدتنا أهلية، وسور الأهلى قصير 2

29 - الجزائر - الجزائر (1925)

بعد صدور جريدة "المنتقد" بأسابيع قليلة، برزت إلى الوجود جريدة اصلاحية أخرى تحمل شعارا جريئا وهو "الجزائر للجزائريين وجاء اسم الجريدة وهو "الجزائر" مكتوبا في وسط هلال، وكان للهلال معنى وطني معروف في تلك الفترة. ويقول محمد السعيد الزاهري مؤسسها ورئيس تحريرها، بأنه إنما اصدرها لتكمل الرسالة الوطنية التي بدأتها جريدة الاقدام للأمير خالد، وهي التي كتم الاستعمار أنفاسها في مارس من سنة 1923. ولعل الشيخ باديس كان يعلق في الجزائر أمالا كبيرة لنزعتها الوطنية تلك حين قال في تقريظها … الجزائر جريدة سياسية أدبية دينية، أخلاقية، اجتماعية، جلا علينا العدد الأول منها فوجدنا بها مقالات بليغة في متانة تعبير، وسمو فكر، ونبالة مقصد، وثقة ببلوغ الغاية وجدير بها إذا كان السعيد واضعها، أن يكون السعد طالعها.

6

والحق، فإن المتصفح للعدد الثاني. مثلا يجده يفيض حماسة، وينتفض غيرة تجلى ذلك بخاصة في القصة التي نشرها الزاهري بهذا العدد تحت عنوان المساواة - فرانسوا، والرشيد، وهي قصة قارن فيها الزاهري بين طفلين أحدهما

1. م. س.

2. الشهاب، ع 1 (12 - 11 - 1925). 3. لم نر فيها غير العدد الثاني في إحدى المكتبات الخاصة

4. محمد السعيد الزاهري: من أبرز الأدباء الجزائريين الاصلاحيين، أنشأ العديد من الصحف العربية، له شهرة واسعة بلغت صحف المشرق، يجمع بين الشعر والنثر، وبين الأدب والصحافة والسياسة، ولد في لبانة سنة (1889) وتوفي بالعاصمة سنة (1956).

5. أخبرنا الشيخ علوي إبراهيم بن سليمان أنه كان من المساعدين في تأسيس هذه الجريدة. 6. المنتقد، ع 5 (30.

(1925 - 7 - 30

61

60