الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٩

الجمهورية، وتدك صرح الاستعمار بشدتها، ولكنها أمنع من عقاب الجو". إن السند القانوني - إن صح أن يطلق عليه هذا التعبير - ليعد في حد ذاته سندا يحمل في نفسه كل معاني الجبروت والعنصرية، لأنه يهدف أساسا إلى القضاء على الصحافة الوطنية المكتوبة باللغة العربية أولا بالذات على حد شهادة الصحفي أبي اليقظان في العريضة التي رفعها إلى لجنة البحث البرلمانية في سنة (1937)، حيث يذكر بأن كل الإجراءات التي كانت تتخذها السلطة الحاكمة ضد الصحافة العربية إنما كانت تعتمد إجراءاتها على القانون الذي يعتبر اللغة العربية التي هي لسان ستة ملايين من المسلمين كلغة البلاد، لوزير الداخلية، ولمن ينوبه الحق في تعطيل ما ينشر بها اجنبية في إداريا، دون التجاء إلى المحاكمة أمام القضاء … - 2 ومن ثم فإن أغلب ما عطل من الجرائد الوطنية العربية كان إجراء تعسفيا. كما هو الشأن مع صحف جمعية العلماء الثلاث: السنة والشريعة، والصراط ومع صحف محمد اعبابسة الأخضري المرصاد والثبات، وصحف أبي اليقظان الثماني التي ليس من بينها تعطيل واحد يستند على حكم القضاء، ولا على أية مخالفة قضائية، بل جميع ذلك إنما يستند على قرارات إدارية بحتة وعلى إيعازات خاصة … -3

على أن هذه الإجراءات الرهيبة كثيرا ما تجاوزت حدود مصادرة الجريدة إلى شخص صاحب الجريدة نفسه فأصابته بالغرامة أو السجن والتهديد والملاحقة بالاستجوابات البوليسية المضيقة وهو ما اضطر إزاءه بالنفي كثير من الكتاب الصحفيين إلى التستر وراء القاب مستعارة، حتى أنه لا نكاد نعرف صحفياً جزائرياً واحداً في العشرينيات والثلاثينيات لم يلجأ إلى اتخاذ لقب أدبي مستعار بل أن بعض أصحاب الصحف الوطنية يلجاون أحيانا إلى التقية متظاهرين بإسناد إدارة جرائدهم إلى أشخاص قد لا يلتفت المستعمر

ومن البديهي أن تلك الإجراءات التعسفية لم تكن تتخذ ضد الصحف العربية التي ترضى عنها الحكومة أو تنظر إليها بنظرة مسالمة. فقد ظهرت صحف عربية كثيرة في هذه الفترة واستمرت في الظهور دون أن تتعرض لها السلطة بالحجز أو المصادرة من ذلك مثلا جريدة "النجاح" التي استمرت في سيرها دون توقف مدة سبع وثلاثين سنة (1919 - 1956) يشفع لها تملقها للمستعمر، وتعلقها بموكبه، فكانت بذلك أطول الجرائد العربية الجزائرية عمرا.

ومن ذلك أيضا جريدة "البلاغ" لسان حال الطريقة العليوية التي سارت سيراً حثيثاً دون انقطاع سوى فترة الحرب العالمية الثانية التي توقفت فيها اقلب الجرائد. ولعل الاستعمار قد أرخى العنان لها، لأنه رأى في بقائها وسيلة ناجحة لاشغال الحركة الإصلاحية بحركة مضادة، وقد برز هذا واضحا جليا بعد الخلاف الذي جرى بين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبين جمعية علماء السنة، ويمكن أن نلاحظ أيضا استمرار "الشهاب" التي كانت تؤثر اسلوباً معتدلا، وربما كان لنفوذ شقيق ابن باديس لدى الدوائر الحكومية حماية لها. والواقع لئن كان موقف السلطة الاستعمارية عجيبا في جبروته، فإن الأعجب منه هو إصرار الصحافيين الجزائريين الوطنيين الذين اتسم موقفهم بالمقاومة المستمرة، والتحدي الصامد

فقد آمنوا إيماناً ثابتاً بجدوى الصحافة في إيقاظ الأمة ودورها الفعال في بد الوعي بين صفوفها، لذلك لم يستسلموا قط لهذه المعاملة القاسية، فقابلوا جبروت المستعمر وتعسفه بالحكمة وضبط النفس حينا وبالحيلة والمناورة إليهم لاعتبارات سياسية كما هو الشأن مع تلك الصحف التي أصدرها

أصحابها ونسبوها إلى محمد الشريف جوكلاري المسلم الديانة الفرنسي

الجنسية.

1. المنهاج، ج 5 م 1 ص: 233 (1925)

2. عريضة إلى لجنة البحث البرلمانية، الأمة، ع 120 (4 - 5 - 1937) 3 م. س.4. أنظر قائمة طويلة بهذه الأسماء المستعارة في ملحق هذا الكتاب.

5. صدرت جرائد عربية كثيرة صاحب امتيازها هو محمد الشريف جوكلاري نذكر منها: "المرصاد

الثبات، الحياة، الليالي

حينا آخر، فما إن تصادر السلطة جريدة عربية حتى يسارعوا إلى إصدارها بطريقة أخرى، فقد يكون الاسم مختلفا ولكن المسمى واحد يديرها المدير الملاحق نفسه، والأسرة المنكوبة عينها، بل ولربما بلهجة أشد وأقسى. وتعد مأساة جرائد أبي اليقظان الثماني التي تساقطت مستشهدة واحدة تلو الأخرى وفي مدة لا تزيد عن ثلاث عشرة سنة من أروع أمثلة الجهاد الصحفي في الجزائر وآية من آيات المقاومة والتحدي.

ومما يوضح لنا هذه الروح الصامدة عند الجزائريين إلحاحهم المستمر في كل المناسبات على المطالبة بحرية الصحافة، فلا يكاد يجد الباحث بيانا أو

17

16