الصحف العربية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٩٤وأمام هذه العوامل لم يجد بدا من العودة إلى ميدانه الأثير عنده نضالا واستبسالا فأبرز العدد الثاني من الأمة في (1934/ 9/25) في ظروف حرجة وهو مدرك تمام الإدراك بأن عليه أن يكون مستعدا بأن يمشي على صراط هو أدق من الشعرة، وأحد من السيف" على حد تعبيره 1.
تلك إذا هي ظروف نشأة الأمة، فكيف واجهت هذه الظروف؟ وما هي خصائصها ومميزاتها؟
وما هي المواضيع التي عالجتها؟ وما هو الأسلوب الذي استعملته؟. بالرجوع الى أعدادها المائة والسبعين يتبين لنا بوضوح كيف كانت عنايتها شديدة بكل ميادين الحياة الوطنية، والعربية والدولية، وكيف كان اهتمامها منصبا على كل ما يهم الفرد العربي المسلم دينا، واجتماعا، وثقافة وسياسة واقتصادا … وكيف كان استحواذ تطورات القضية الجزائرية ومشاكلها لا يقل حرارة وانشغالا عن قضايا الوطن العربي والإسلامي ومشاكله.
ولعلنا نستطيع أن نلخص اهتمامات جريدة الأمة في النقاط الآتية: القضايا الاجتماعية - القضايا السياسية - القضايا العربية - القضايا
الدولية، قضايا الفكر والثقافة. أولا: القضايا الاجتماعية:
من الواضح للمطلع على فهرست جريدة "الأمة" أن الموضوع الذي كان يستحوذ على اهتمامات الجريدة، ويشغل الحيز الأكبر من صفحاتها، إنما هو موضوع "بناء الشخصية الجزائرية العربية المسلمة بناء تقف به أمام كل التيارات الهدامة التي يحاول المستمعر إغراقها فيها، فكانت دعوتها ملحاحة على ناحية الأخلاق، "فقد لمست مكان الضعف من الأمة في تلك الظروف الحرجة فوجدت أن ضعفها هو ناحية الأخلاق، فاستفرعت وسعها في الميدان الفسيح، فنددت بمعوج الأخلاق، وأعلت من شأن القويم منها 2.
هذا
1. تجدر الإشارة إلى أن الأمة توقفت أيضا ما بين العددين (28 - 29) في الفترة ما بين 1935/ 4/16 حتى 18.
6 - 1935 ولم نتوصل إلى معرفة السبب.
2. الأمة، ع: 152.
ومعالجة كتاب "الأمة" من جيل "الاصلاح" كانت فلسفتهم في فهم الأخلاق مستمدة من فهمهم العميق للإسلام ذاته، وهو أنهم كانوا يريدونه أداة قوية المقاومة المستعمر الأجنبي، فكان لابد للفرد من أن يكتسب قوته من داخله، مما يتحلى به من أخلاق فاضلة واعتزاز بأصالته، وإيمان قوي بحقه، ومن ثم جاءت أغلب الافتتاحيات تدور حول هذه المحاور، كما تدل على ذلك هذه
العناوين:
التعاون وآثاره في الأمم والجماعات - إلى العمل في دائرة الوئام والنظام هل يستقيم للمسلم أمر في هذه الحياة بغير التمسك بالدين؟ الأنانية وحب الذات وخطرهما على المجتمع - من مدرسة الفرد إلى مدرسة المجتمع - أحسنوا رعاية الشبان فإن الخطر الوبيل يحبو من هناك - آفة الاياس الفتاكة كيف السبيل لتطهير مجتمعنا منها؟ جناية المادة على حياتنا الأدبية - وغير ذلك من هذه المواضيع.
إن بناء الفرد وبالتالي بناء المجموع لا يتم تماسكا وسموقا إلا بالعلم ولكن الأمة الجزائرية كانت عندئذ مصابة بداء الجهل الوبيل إصابة قاتلة، فقد كانت على حد تعبير أبي اليقظان "مريضة بالجهل مرضا مزمنا فكان لابد أن تكون العناية بمقاومة هذا الداء شديدة، والدعوة إلى الأخذ بأسباب الحياة المتفتحة بالعلم والمعرفة مجلجلة في كل مناسبة، فكانت الجريدة تختار المناسبات التي يكون الكلام فيها عن العلم والتعليم أكثر تأثيرا، وأوقع على النفوس، كموسم افتتاح السنة الدراسية، أو اختتامها - إذ كانت تطلق على الافتتاح موسم البذر، كما تطلق على الاختتام موسم الحصاد. ولنأخذ على سبيل المثال هذه المقالات:
إلى رياض العلم - إذا كان في جوع موت الجسد، ففي الجهل ممات الروح اختلال التعليم الفرنسي في بلدة العطف - أسبوع اليقظة والحياة بمدينة قسنطينة - الحركة الأدبية الحديثة في الجزائر - نبوغنا الضائع وكيف يجب حفظه واستثماره - ماذا أعددنا لموسم العقول؟ هل في الإمكان إيجاد كلية علمية دينية في القطر الجزائري؟ أين تقاس رغبة الأمة في العلم والتعليم شهية الأمة في العلم خامدة، فما هي الوسائل التي تحركها؟ ها هو موسم الدراسة على الأبواب، فماذا أعددنا له؟ ماذا يجب على أولياء التلاميذ إزاءه؟ … 2.
1. انظر الفهرست، في أبو اليقظان وجهاد الكلمة
2. أنظرها في الفهرست.
183
182