الصحف العربية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٩٣وفي معرض تهكمه اللاذع بالبلاغ وهو يصف نزعتها العدائية لكل من لا يماشيها في خطتها الطرقية يقول: " … قضت حقبة من الزمن وهي تناوش من لا يناوشها، وتلك سنة الله في كل (مكلوب) وكانت كلما ناوشت أحدا رد لها الكيل بقدر ما يستطيع أن يتحمل.
وصارت تلك النوبة العصبية تعاودها من آن لآخر كمدمن المخدرات، أو كالعبد الذي ألف الضرب، يسب سيده كل مساء ليلهب جلده بالسوط، فتخف حرارة اللهيب الجسماني … ولما آن الأوان لنوبتها العصبية لم تجد من تناوشه، فقررت أن تناوشنا نحن، لأننا لا نقرها على كفرها، ولا نعتني بها ولا نحسب لها قيمة .... ".
وإذا كان الاتجاه المضاد للطرقية واضحا من خلال مواد الجريدة ومواقفها، فإن الذي لم نستطع إدراك كنهه، هو موقفها الوطني أو بالأحرى السياسي فهي تدعو في الافتتاحية قادة الأمة إلى الاعتدال والتروي ليستطيعوا باعتدالهم وترويهم أن يؤدوا للبلاد ثمار العمل المنتج. فهل يتفطن قادتنا ورجالنا ويدركوا نتيجة السير المعتدل؟. وهي تعلق فيما يبدو بالوالي العام الفرنسي آمالا كبارا معتبرة لينه واعتداله "خطة مثلى يسير بها دفة الحركة فيجنى من وراء ذلك هدوء الأفكار المروعة، ويقضي على الفتن التي يثيرها المرجفون من جهة، والطائشون من جهة أخرى ......
هو
من تعنيهم الجريدة بالمرجفين والطائشين؟ إن أهم ما تمتاز به الحارس أسلوبها الطلي الشيق الذي هو من مميزات صاحبها الأديب عبد الرحمن غرب، ولكن الحارس لم تستمر طويلا ولم تترك أثراً ذا بال في ميدان الصحافة سرعان ما توقفت عن الصدور 2. فهي ويقول الأستاذ علي مرحوم بأن حياتها انتهت بمصادرة العدد الخامس في المطبعة قبل أن يرى النور ولكنه لم يذكر السبب الذي جعل حياتها تنتهي
كذلك؟.
1. الجدير بالذكر أن عبد الرحمن غريب كان ينشر بها (أي البلاغ، مقالاته وذلك في سنة 1931
2. لم تر أحدا تناولها بالدراسة سوى علي، مرحوم، ولا يوجد منها بالمكتبة الوطنية بباريس سوى ثلاثة أعداد وهي 1 - 3 - 4 ورقمها: jo HARISS 6072 .3. أنظر الثقافة ع 42 ص 36.
52 - الأمة - الجزائر (1933 - 1938)
برز العدد الأول من جريدة "الأمة" في الثامن من سبتمبر سنة (1933) وعلى عادة أبي اليقظان مع افتتاحيات جرائده الأخرى، فإنه لم يخصص للعدد الأول مقالا خاصا لبداية الجريدة يشرح فيه أهدافها، وواقعها، وتطلعاتها، كما الشأن مع جرائده السابقة، بل نشر بدلا عن المقال الافتتاحي، مقالا عاديا تحت عنوان: "التعاون الاجتماعي وآثاره في الأمم والجماعات" وهو الحلقة السابعة لمقال طويل نشر حلقاته السابقة في جريدة "النبراس" المصادرة … وكأن أبا اليقظان يريد أن يقول ضمنيا بأن جريدة "الأمة" إنما هي في الحقيقة امتداد "للنبراس المصادرة أسلوبا ومضمونا. ولكن ما إن صدر العدد الأول من "الأمة" حتى عادت السلطات الاستعمارية إلى لعبة المطاردة اللاهثة والمضايقات المتعمدة .. فاضطر أبو اليقظان إزاء هذه "التهديدات القهرية غير المباشرة … " إلى إيقاف جريدته عقب استهلالها ودام هذا التوقف سنة كاملة، وكأنه سبق المستعمر هذه المرة فأوقف جريدته من تلقاء نفسه بعد أن .... قرأ في جو الجزائر سطورا من نار لا من نور تجاه الصحافة العربية .... وتراءت له نذر الشر … كما تترآى بروق الصواعق بين قصف الرعود ودمدمة السماء .... ويبدو من خلال وصفه لهذه التهديدات، أن أصحابها كانوا يهدفون إلى إسكات صوته الصحفي إلى الأبد أو التأثير عليه حتى يخفف من لجهته … وقد حاول أن يتخذ من هذه الظروف العصيبة عذرا لنفسه ليضع هذا الحمل الثقيل عن كاهله قليلا، وينتهزها فرصة يعطي فيها لنفسه قسطا من الراحة والسكون … ولكن القراء لمجرد أن أحسوا بسكون تلك العواصف "حتى أخذوا يجردوننا من أثواب المعاذير ويلحون علينا في ضغط كبير، أن نبرز من جديد إلى ميدان العمل، رغم التضحية التي بذلناها في هذا السبيل … " وألح على أبي اليقظان إحساسه بأن الوطن والأمة، والدين في مسيس الحاجة إلى الكفاح بكل الطرق، والصحافة الصادقة المعبرة بأسلوب يتسم بالصدق، والنزاهة والصراحة والاعتدال بات أمرا ضروريا رغم كل الاحتمالات المتوقعة.
1. الأمة، ع 120 (4 - 5 - 1937) 2 م س ع: 2 (25 - 9 - 1934).
3. م. س.
181
180