إشكالية العمران والمشروع الإسلامي إبراهيم بن يوسف

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٣

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

1 - 1 - الثورة الزراعية: من الكهف إلى القرية

حدث جد هام في تاريخ البشرية، فتح أفاقا أمام الإنسان وتم بمقتضاه انتقاله من وضع بسيط في الاجتماع والمعاش إلى وضع أكثر تعقيدا. انتقل الإنسان من الحياة البسيطة حيث كان يعتمد في معاشه القطف والجني والصيد ويلجأ في منامه إلى الكهوف المحفورة الجبال. .. فلا معاشه ولا منامه يتطلب جهدا فكريا قدر ما هي

على

في

آلية عضلية.

كما لم تستدع حياته ضرورة اجتماع بقدر ما أن العيش يقوم على جهد فردي لا يتطلب ضرورة التعاون. وكان الإنسان متنقلا طالما لا يرتبط معاشه بمكان.

لكن أمام شبح انقراض الفرائس وأمام محدودية علاقة الإنسان بالبيئة، كان عليه اكتشاف مصادر طاقوية ومصادر عيش جديدة. وذلك ما تم بالثورة الزراعية حيث اكتشف الإنسان طرق عمل

جديدة ومصادر طاقوية فتحت أمامه آفاق جديدة. ولا يمكن تصور الحدث بمعزل عن سيرورة طويلة تفاعلت فيها ظروف مختلفة تولد عنها وضع جديد تزامن مع ارتفاع في المستوى الثقافي. ولم يتبلور هذا الوضع الجديد في وقت واحد في كل أطراف العالم، بل تم بتدرج وفي فترات متباينة حسب المكان. فقد تكون منطقة فلسطين وما بين النهرين المهد الأول حيث ظهرت حوالى 8000 سنة ق. م انتشرت عبر الأنهار وتطورت على ضفافها. وانتشرت في آسيا عبر نهر الهند قبل 5000 ق. م وانتشرت عبر نهر النيل في إفريقيا حوالي 5000 ق. م.

مسار العمران البشري ومشروعية الحل الإسلامي

وانتشرت في أوروبا عبر نهر الدانوب والبحر الأبيض المتوسط

فيما بعد وفي أمريكا ظهرت حوالي 3000 سنة ق. م. وباكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات تحسنت وتعقدت ظروف المعاش للإنسان وتتالت اكتشافات بطيئة ومتتالية تمليها الملاحظة والحاجة اليومية وتتوارثها الأجيال.

وقد تطلب العمل الزراعي مستوى ثقافيا رفيعا ضروريا لمعرفة الأحوال المناخية والتحكم فى طرق العمل كما اقتضى كذلك اللجوء إلى مصادر طاقوية جديدة. فعلاوة على الطاقة الكيمياوية والإنسانية والنباتية لجأ الإنسان إلى استخدام الطاقة الحيوانية وطاقة الهواء والماء. كما اقتضى العمل اكتشاف وسائل وأدوات تطورت من الأدوات الحجرية إلى الأدوات الحديدية فظهر المحراث والعجلة والعربة والمراكب الشراعية وذلك حوالى 3000 سنة ق. م في مصر والهند وما بين النهرين والمتوسط. لكن تبقى أهم انعكاسات اكتشاف الزراعة فيما يخص العمران هي ضرورة الاجتماع لما يقتضيه ذلك العمل من تعاون للأيدي. كما اقتضى كذلك ضرورة الاستقرار لارتباطه بالمكان، فتم بذلك ظهور القرية.

من القرية إلى المدينة فالمكان والاجتماع يحتاجان إلى عمران والعمران لا يستتب إلا بالنظام والأمن. انعكس عن هذا التنوع في الوظائف تقسيم أولي للعمل إذ انعكست عن العمل الزراعي ضرورة صناعة الأدوات وتسويق المنتوجات. وانعكست عن عمرانه ضرورة الإدارة والحماية ونظرا لمحدودية طاقة الريف، فقد اقتضى الوضع ضرورة تأسيس

23

22

22