إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٤إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
اجتماع آخر يتولى الوظائف الخارجة عن طاقة الريف، فظهرت المدينة الأولى.
فبينما اهتم اجتماع الريف أساسا بالعمل الزراعي، تولى اجتماع المدينة وظيفة الصناعة والحماية والتسويق والسلطة (اقتصادية سياسية وعسكرية) ولذلك يذهب كثير من المؤرخين إلى أن ظهور المدينة تزامن مع ظهور القرية أو تبعها بمدة قصيرة. لكن اتسمت الأوضاع كلها بنوع من البساطة النسبية، فكانت الأحجام البشرية جد متواضعة وكانت وتيرة نموها بطيئة، كما كان حجم الإنتاج ضعيفا ووتيرة نموه تكاد تكون راكدة واعتمد الاجتماع على أولى الروابط أساسا وهي روابط القرابة. فعلى الصعيد الديمغرافي، تميزت المجتمعات الأولى بنظام غالبا ما يطلق عليه اسم النظام الطبيعي ويتميز بكثرة الولادات وكثرة الوفيات، مما يجعل نسبة النمو الطبيعي ضعيفة جدا، علاوة على المجاعات والكوارث الطبيعية والأوبئة والحروب التي ساهمت في تخفيض أحجام السكان.
وعلى الصعيد الاقتصادي، كانت أنظمة إنتاج من النوع البسيط الذي يعتمد أساسا على الاكتفاء الذاتي وكثيرا ما غابت الفوائض
التي يعتمد عليها في العمران والترقية الاجتماعية والاقتصادية. أما على الصعيد الاجتماعي، فتميزت المجتمعات الأولى بسيادة الروابط العائلية أو ما يسمى بالعلاقات الأولية وهي أساسا ترتكز على القرابة. فتميزت بالبساطة وبالتجانس، فجاءت بذلك حسب
المفهوم اجتماعا للضرورة ..
مسار العمران البشري ومشروعية الحل الإسلامي
ولم تكن المدن الأولى سوى تجمعات بشرية قائمة لذاتها مستقلة اجتماعيا وسياسيا تتربع على أقاليم محدودة وتسيطر على أقاليم زراعية تابعة لها. وإذا كان الفائض الإنتاجى وهو العامل الأساسي لترقية العمران غائبا في أنظمة الاكتفاء الذاتي، فكيف نفسر الرقي الذي بلغته الحضارات الأولى القديمة مع اعتمادها على الزراعة؟ نعم، لقد شهد التاريخ قيام حضارات بلغت درجة فائقة من الرقي ومنها حضارات ما بين النهرين حضارات اليمن والهند والصين ومصر، تلتها أجيال أخرى من الحضارات ومنها حضارة الرومان واليونان والفرس … الخ 3. وسبق وأن رأينا أن المدينة وليدة القرية حيث أن العمل الزراعي استدعى ضرورات اقتضت تقسيما للعمل وظهور اجتماع المدينة. ومن هنا تبدأ أول علاقة بين الريف والمدينة علاقة تكاملية وظيفيا حيث يشكل الريف مصدر الإنتاج الغذائي والمواد الأولية، بينما تتولى المدينة وظيفة الإدارة والحماية ووظيفة التوزيع والتبادل التجاري والإنتاج الصناعي.
لكن هذه العلاقة بدل أن تكون أفقية كانت عمودية. إذ أن المدينة كانت تستمد قوتها من الريف ليس فقط كمصدر وحيد الجمع مواردها بل وكصاحبة القوة السياسية والعسكرية فرضت هيمنتها وسيطرتها على الريف.
واعتبارا لمحدودية الطاقة الإنتاجية للريف ولطابع الركود المميز لنظام الاكتفاء الذاتي، فقد لجأت المدينة لتسجيل فائض إنتاجي
25
24
24