إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٠إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
يقتضي هذا التجمع الكثيف والبالغ التنظيم والتعقيد منظومة قيم وقواعد لضبط وتنظيم العلاقات بين أفراد الجماعة وبين الحاكم والمحكوم، جوهرها القانون ويترتب عن ذلك ضرورة قيام سلطة مهمتها رعاية أحوال الجماعة وفق هذه القيم، تتفرع عنها سلطة تشريعية تقوم بوضع القوانين وسلطة قضائية تقوم بإصدار الأحكام والفصل بين الناس وسلطة تنفيذية تقوم بتسيير شؤون الجماعة بما تتوافق وشريعتها. فجاء القانون والسلطة شرطان أساسيان لقيام مثل هذا التجمع الكثيف والمتنوع الوظائف والحاجات. كما استوجبت ضرورة الغذاء والمسكن والعبادة والتبادل والتعاون والدفاع التموقع في أرض تتوفر بها شروط الحياة الجماعية من مياه وتربة للزراعة وهواء طيب وحاميات ومسالك للاتصال. فاعتمدت تلك الأرض لبناء أماكن للعبادة ومساكن وأسواق ومباني دفاعية ووضع مسالك وإنشاء مزارع وكل ما تمليه ضرورة الحياة الجماعية من منشآت فشكلت هذه الكتل المبنية والمباني والمرافق المكونات المادية للمدينة، يتم إنشاؤها بتجاوب تام مع فكر ومعتقدات ونظام تلك الجماعة وهي ما نعني بالمقومات الروحية والمعنوية والتي تشكل كذلك جزءا أساسيا من النظام الحضري. فجاء اختلاف المدن حسب اختلاف الأمم ومعتقداتها وفكرها وثقافاتها واختلاف شرائعها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية أي مقوماتها الروحية والمعنوية، فاختلفت المدن بذلك مضمونا وشكلا إذ أن الصورة المادية للمدينة، إنما هي تجسيد وصياغة مادية لمضمونها ومقوماتها الروحية والمعنوية.
للمدينة الإسلامية
وللمدن حياة وأعمار، فهي تنشأ وتنمو وتنضج وتنحل. وهذه التغيرات في الزمن إنما تكون تحت تأثير عوامل متعددة، فكرية وإنسانية واجتماعية وسياسية وطبيعية داخلية وخارجية يختلف
تأثيرها ونتائجها حسب طبيعة وخصائص المدينة (كنظام). وانطلاقا من هذا التعريف الشامل، أصبح من الضروري لمحاولة ضبط مفهوم المدينة في الإسلام أن نلم بكل مكونات هذا النظام (المدينة) الأساسية وهي المقومات الروحية أو المعنوية وهي لبها ومضمونها وهي التي تصيغ شكلها وتعطيها رموزها ولغتها وتغمرها بمعانيها وتضبط وظائفها ومنهج حياتها. لذا سنتناول بصورة مختصرة المدينة السلطة والأمة في الإسلام كمكونات متكاملة ومترابطة للنظام الحضري في الإسلام ترابط المدة والروح والشكل والمضمون.
2 - 1 - مفهوم المدينة
3
إذا ما اعتمدنا على تعريف لغوي وجدنا أن كلمة مدينة تعود في الأصل إلى كلمة (دين) وهي ذات أصل سامي استعملها الأشوريون والأكاديون في معنى القانون، كما استعملت كلمة الديان في اللغة الآرمية والعبرية في معني القاضي وورد في الحديث الشريف ما رواه البخاري وابن حنبل عن جابر بن عبد الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: يوم يحشر العباد أو قال الناس حفاة عراة عزلا ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي
77
76