إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٥٢ا الله المان
مدخل للمدينة الإسلامية
التي
سنها الرسول (ص)، إذ قام هو وجمع المسلمين بحفر الخندق في الجهة الشمالية التي كانت معرضة للخطر خلافا للجهات الأخرى كانت تحيطها الحرات وقد حفرت أربعون ذراعا في العمق على طول حوالي اثنا عشرة ألف. ذراع كما أمر بتحصين المنازل التي بقرب الخندق وهكذا ظهرت ملامح العمارة الدفاعية والحربية حسب هذا الشكل كضرورة عمرانية أساسية وهي الأمن والاستقرار وحماية المدينة. لكنها من جهة أخرى تعد رسما حدوديا للفراغ القابل للتعمير ولها سمة خاصة في المدينة الإسلامية والتي تتفاعل جيدا مع مفهوم الحرمة والحرم. وهكذا شكلت الأسوار رسما حدوديا للفراغ الحرمى وكذلك حماية معنوية. ومن هذا المنطلق برز كستار للمدينة يلتف حولها، فقيل عن المدينة الإسلامية أنها ملفوفة أو مستورة وغير مغلقة. إضافة إلى هذا الستار أضيفت الجدران الخارجية للديار الخاصة كستار لها فشكلت هذه الأسوار للمدينة والجدران للديار مجموعة ستائر تميز الشكل المادي الذي تتميز به المدينة الإسلامية الملفوفة في مجموعة ستائر وتنفتح إلى السماء وتكون بذلك واجهتها رأسية ولا أليق لرؤيتها خير من الصور الجوية. أما الأبواب فهي كذلك عنصر هام، فهي منافذ المدينة ونوافذها كما أنها تشكل علاوة على وظيفتها الدفاعية نقطة وصل بين خارج وداخل المدينة فنجدها في أغلب الأحيان في شكل قبو أو دهليز أو ممر واسع يمكن من مراقبة الدخول. ولمعالجة الفراغ الواصل بين الداخل والخارج صيغة خاصة إذ سيطرت عليها فكرة الحرمة كما هو الحال بالنسبة للدار فجاء فراغا وسيطا يصل الداخل
بالخارج ويحمي بذلك حرمة المدينة ربما شكلت المداخل المنحنية الزاوية في المدن العباسية نموذجا ناضجا لهذه الفكرة.
الرحبات والميادين
أما الميادين، فنقصد بها تلك الفراغات الغير مبنية والتي كثيراً ما أخذت اسم الرحبة في المدينة الإسلامية وتعددت وظائفها وتنوعت
حسب الفصول وحسب أوقات اليوم وحسب المناسبات. تشكل هذه الميادين جزءا هاما من المدينة الإسلامية فهي على الصعيد المعماري نغمة فنية تنسجم وفقها الفراغات المبنية مع الفراغات الحرة فينتج عنها توازن حيوي للمدينة فيه راحة للرؤية ونفس للمدينة. أما على المستوى الوظيفي، فهي فضاءات جماعية نظرا لقدرتها المتعددة الوظائف والصالحة للممارسات الاجتماعية في المدينة. فهي ذات طابع جماعي واجتماعي، إذ أنها تشكل أهم مجالات اللقاء والتبادل الإعلامي وتوفر أيضا المجال الملائم لكل الممارسات الجماعية في المدينة طبعا وتختلف عن مفهوم الساحات العمومية في المدينة الإغريقية. أقيمت الأسواق في هذه الميادين وأقيمت فيها الشعائر الدينية، كما هو الحال بالنسبة لمصلى العيد. كما استعملت كذلك لاستعراضات الجند وللقاءات الثقافية … إلخ. وربما تعددت الوظائف في نفس الميدان، حسب أوقات اليوم، وحسب الفصول وحسب المناسبات، وقد سن الرسول (ص) السوق في المدينة وجعلها ساحة فضاء لا بناء فيها. كما سن مصلى العيد وهو ساحة فضاء لا بناء فيها وقد عولجت أغلبية الفراغات
98
99