إشكالية العمران والمشروع الإسلامي إبراهيم بن يوسف

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٩٠

إشكالية العمران والمشروع الإسـ

العمران الإسلامي، تصور ومفاهيم

(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها .. سورة النحل 14). كما ورد كذلك بتكرار كلمة سخر والتسخير هو التدليل والتبسيط. (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون … سورة الجاثية 12).

(ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون … سورة النمل (86).

(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور … سورة الملك (15).

ولم يأت الانتفاع بالكون غاية بذاته كما هو الحال كذلك بالنسبة للكون بل شرط أو ظرف وسبيل لتحقيق الغاية وهي أداء الإنسان رسالته في هذا الكون.

وإذا زالت الغاية زال معنى الشرط.

فلم يرد الانتفاع مطلقا بل هو محدود في الزمن كما ارتبط ارتباطا وثيقا بالغاية وهي تحقيق الرسالة وبضوابط الشرع وهي ضوابط الخالق والمالك للكون، فجاءت أوامر الله ونواهيه هي ضوابط هذا الانتفاع وهذا المفهوم يحرر الإنسان في علاقته بالكون، بالمخلوقات والكائنات من كل قيود وضوابط بشرية بانضباطه بالتساوي بين

جميع الناس بأوامر ونواهي الخالق والمالك للكون الله تعالى. وهذا ما نستنبطه مما ورد في القرآن الكريم في هذا الشأن. فاستتبعت كلمة المتاع بالتذكرة (نحن جعلناها تذكرة ومتاعا

للمقوين سورة الواقعة 73).

واستتبعت كلمة المتاع بالأجل المسمى الذي يحده زمنيا. كقوله تعالى

(ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين … سورة الأعراف (24).

(وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور … سورة الملك (15). كما انتهت غالبا آيات تسخير الكون بأدوات للتذكير بالغاية من ذلك) لعلكم تشكرون - - (لقوم يؤمنون --- (يتفكرون - يعقلون - يوقنون).

وهذا المفهوم يختلف جوهريا مع مفهوم الاستهلاك في الفلسفات المادية الذي يتجرد من كل بعد روحي فيكون بذلك سبيلا لتغطية الحاجات التي يمليها قانون الطبيعة، خلافا لمفهوم الانتفاع في الإسلام والذي تمليه شريعة الله في شكل حقوق وواجبات ليس فقط نحو الله ولكن نحو الكون والمخلوقات كلها منها الحية كالحيوان مثلا والجامدة على نحو ما يذهب إليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم ((إياكم والجلوس في الطرقات … قال فإن أبيتم فأعطوا الطريق

حقه … ).

وتسمو الحاجات المادية ببعد روحي لينقلب مثلا إشباع رغبة الأكل والترفيه. . . إلى حقوق نحو النفس لقوله صلى الله عليه وسلم: إن لنفسك عليك حق») وقد يكون الاستهلاك في بعض معانيه (حسب الفكر المادي) غاية بذاتها وذلك ما تذهب إليه الفلسفة الليبرالية في تحديد مفهوم الحرية وهي تعنى أساسا حرية التملك وهذا ما يتولد عنه السباق على الرهانات المادية في العالم وفي الأطر المحلية والتي تنعكس عنها كل التناقضات التي تعاني منها الطبقات الاجتماعية وكذلك التفاوت بينها.

172

173