دولة زنجبار الحديثة في عهد السلطان سعيد بن سلطان 1806-1856م سميحة إبراهيم محمد

دولة زنجبار الحديثة

الجزء ١ · صفحة ١٠

ويرجع الفضل في ذلك إلى السياسة المرنة التي اتبعها السلطان سعيد بن سلطان حرصاً منه على المحافظة على الموروث الحضاري الذي تلاحمت في إطاره العروبة والإفريقية تلاحماً مادياً وروحياً وبشرياً ملحوظاً.

وقد ساهمت سياسة السلطان سعيد بن سلطان الرشيدة على مزيد من الانصهار بين العناصر العربية الوافدة وبين الوطنيين الأفارقة، الأمر الذي خلق في هذه المنطقة الإفريقية درجة كبيرة من التلاحم والانسجام، وذلك لأن كلاً من العروبة والإفريقية قد تم انصهارهما في بوتقة حضارية ليست عنصرية أو

عرقية

والجدير بالذكر، أنه ليس في الإمكان الإسهاب في هذه المقدمة لسرد التفاصيل التاريخية للتجربة الحضارية التي مرت بها العلاقات العربية الإفريقية في ساحل شرق إفريقيا وتطورها عبر السنين وصولاً إلى قيام دولة زنجبار الحديثة موضوع هذه الدراسة، وذلك لأن هذه التجربة الحضارية قد تأثرت بعوامل جغرافية وتاريخية متنوعة جعلت أمر التعاون العربي الإفريقي في تلك النواحي ضرورياً وحتمياً. ولذا فقد رأيت ضرورة أن يكون الفصل الأول تمهيداً لإعطاء خلفية وصورة تاريخية واضحة للروابط الحضارية والإنسانية المنبثقة عن التداخل الجغرافي والتاريخي لا سيما بين عرب جنوب شبه الجزيرة العربية وعمان والخليج العربي وبين الوطنيين الأفارقة في ساحل شرق

إفريقيا.

وقد حرص البحث على تحديد العوامل التي أدت إلى نقل السلطان سعيد ابن سلطان عاصمة ملكه من عمان إلى جزيرة زنجبار معلناً بذلك قيام دولة زنجبار الحديثة في عام 1832 م وكانت من بين هذه العوامل عوامل سياسية واستراتيجية واقتصادية اهتمت الدراسة بإبرازها.

والمعروف أن دولة البوسعيد قد واجهت أخطاراً جسيمة إبان تولي السلطان سعيد بن سلطان مقاليد الأمور في عمان عام 1806 م. غير أنه قد استطاع التغلب على هذه الصعاب بفضل حنكته السياسية، وعندما لمس حرص

1822

بريطانيا على صداقته من أجل التصدي لتغلغل النفوذ الفرنسي في ساحل شرق إفريقيا والخليج العربي والبحر الأحمر، لم يحجم عن إبرام معاهدة هورسي مع بريطانيا عام م ما دامت هذه المعاهدة ستتيح له الفرصة لفرض نفوذه على ساحل شرق إفريقيا وإقصاء منافسيه المزارعة حكام ممية. وبعدما استتبت له الأمور على الساحل الإفريقي الشرقي بعد إنهاء نفوذ المزارعة ومباشرة سلطاته فعلياً في عاصمته بجزيرة زنجبار عام 1840 م، شرع السلطان سعيد بن سلطان في تحقيق إنجازات طموحة في دولة زنجبار الحديثة وملحقاتها في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية كما يتضح في فصول هذه الدراسة الأربعة.

وقد ظهر جلياً أن دولة زنجبار الحديثة عملت بخطى ثابتة على تحقيق أمن سياسي وتنمية اقتصادية وإثراء ثقافي وعدالة اجتماعية في المناطق التي بسطت عليها نفوذها. كما أقامت جسراً من العلاقات الحميمة في المجالين السياسي والاقتصادي امتدت مؤثراته إلى دواخل القارة حتى حوض الكنغو ولعل من أوضح الأمثلة لذلك، الأثر الذي تركته هذه الدولة على الشعوب الناطقة بالسواحلية في شرق القارة الإفريقية، خاصة تلك التي انصهرت فيها العناصر العربية انصهاراً عرقياً ولغوياً تاماً. وما زالت معالم التأثير الثقافي والاجتماعي ظاهرة حتى وقتنا هذا في كل من تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا وبروندي ويمكن أن يقال إنه لولا أن الاستعمار الأوروبي قد بدأ يبسط نفوذه على شرق إفريقيا بداية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ويعمل على تضييق الخناق على المؤثرات العربية الإسلامية التي أرست دعائمها دولة زنجبار الحديثة، فإن هذه المنطقة برمتها لصارت جزءاً لا يتجزأ من الوطن العربي. أما منهج البحث، فقد اعتمد على المنهج العلمي التاريخي الشمولي الذي يضع في اعتباره كافة العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية متفاعلة جميعها من أجل إعطاء الصورة التاريخية للحدث التاريخي خالياً من الأهواء والنزعات والانتماءات. كما اهتمت الدراسة بتحليل مصادرها ومراجعها وتقييمها بصورة متوازنة.

17

16