دولة زنجبار الحديثة
الجزء ١ · صفحة ١٥زنجبار الحديثة كان تتويجاً لازدهار العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين العرب وبين الأفارقة.
ويرى كثير من المؤرخين أن التمازج العربي الإفريقي وصل ذروته في ساحل شرق إفريقيا في ظل دولة زنجبار الحديثة التي أسسها السلطان سعيد بن سلطان بدرجة أن هنالك عرباً تأفرقوا كما أن هناك أفارقة تعربوا، بمعنى أن هذا الانصهار العرقي واللغوي جعل بعض ذوي الأصول العربية القحة أن يتركوا لغتهم ويتحدثوا لغة إفريقية كالسواحيلية مثلاً بفضل مرور الزمن وينطبق هذا المفهوم
نفسه على المجموعة الثانية التي تخلت عن لغتها الإفريقية وتحدثت بالعربية. ويعد الجغرافيون والمؤرخون العرب أصحاب فضل في كشف النقاب عن تاريخ ساحل شرق إفريقيا وكذلك عن بقية أجزاء القارة السمراء وهذا ما
يستوجب ضرورة إعطاء لمحة جغرافية وتاريخية عن المنطقة المؤرخ لها. وكان من البديهي أن يتعرض ساحل شرق إفريقيا الذي كان تحت نفوذ عربي إسلامي ردحاً من الزمن إلى التكالب الاستعماري الشرس الذي بدأته البرتغال في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي حينما التفت حول رأس الرجاء الصالح بهدف ضرب المصالح العربية الإسلامية واحتكار التجارة الشرقية. إن نضال العمانيين وجهادهم ضد الصلف البرتغالي وأهدافه الاستعمارية، يعتبر من أنصع وأنقى صفحات تاريخ العلاقات العربية الإفريقية في ساحل شرق
إفريقيا.
وقد توج هذا الكفاح بانتزاع الإمام سلطان بن سيف (1692 - 1711 م) مدينة منبسة من أيدي البرتغاليين في 14 ديسمبر (1698 م) وإقصاء نفوذهم ووجودهم نهائياً عن هذا الساحل
وقد تظافرت كل العوامل المشار إليها أعلاه في تهيئة المناخ الملائم لقيام دولة زنجبار الحديثة في عهد السلطان سعيد بن سلطان (1806 - 1856 م). لذا، ولضمان تماسك هذا الفصل وتسلسل معلوماته منهجياً حرصت هذه الدراسة على أن يتم عرض موضوعاته حسب ما يلي:
26
أولاً - لمحة جغرافية عن ساحل شرق إفريقيا: ساحل شرق إفريقيا عند الجغرافيين والمؤرخين العرب
ظهرت كثير من المعلومات الخاصة بإفريقيا في المصنفات العربية ابتداء من القرن التاسع الميلادي، حيث سبق جغرافيو العرب ورحالتهم ومؤرخوهم نظراءهم في العالم الغربي في مجال المعرفة الإفريقية، ويعود ذلك إلى الخبرة الواسعة التي اكتسبها العرب منذ القدم نتيجة لرحلاتهم وأسفارهم في المحيط الهندي مما مكنهم من الإلمام بمعرفة سر الرياح الموسمية التي استفادوا منها في الوصول إلى موانئ ساحل شرق إفريقيا وازدادت معلوماتهم عن تلك البقاع حينما وقفوا على ترجمة المؤلفات الجغرافية القديمة (1) وقد أصبحت كتب العرب ومؤلفاتهم أساساً لاستقصاء المعلومات الهامة حول أجزاء كبيرة من القارة الإفريقية (2). وتعتبر أقدم الكتابات العربية عن شرق إفريقيا ما كتبه سليمان التاجر حيث وصف وصفاً حياً السواحل الشرقية من إفريقيا والموانئ المختلفة وسكانها والمحاصيل والمنتجات وسلع التجارة، كما وصف كذلك أخبار الملاحة في المحيط الهندي، كما وصف كذلك بلاد الزنج زنجبار (3).
وفي أواخر القرن التاسع الميلادي خص ابن خرداذ به ساحل شرق إفريقيا بنصيب كبير من الوصف (4)، وفي أوائل القرن العاشر الميلادي نجد الجغرافي أبو علي بن رسته يضمن كتابه الأعلاق النفيسة معلومات مفيدة عن زنجبار (1) عبد الغني عبد الله خلف الله: مستقبل إفريقيا السياسي (تاريخ شعوب القارة الحديثة وأوجه التطور المحتملة فيه) (القاهرة: مؤسسة المطبوعات الحديثة، 1961 م، ط 2
ص
(465
(2) وفيق الخشاب وإبراهيم المشهداني: إفريقيا جنوب الصحراء، (بغداد: وزارة التعليم (3) أغناطوس كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي عند العرب، ترجمة صلاح الدين والبحث العلمي 1978 م، ص 8 هاشم (القاهرة: جامعة الدول العربية الإدارة الثقافية 1963 م)، ص 141 (4) بازال دافيدسون: إفريقيا تحت أضواء جديدة ترجمة جمال أحمد، (بيروت: در ن ..
1965
ص
218
27
27