الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١١٥كلماته الخالدة المنقوشة علي قاعدته: "لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس.
و نشاهد علي جدران تلك الحجرة أيضا صورة سعد زغلول، الذي عانى الكثير من السجن والنفي علي يد البريطانيين لنضاله من أجل قضية استقلال مصر. وكلل مسعاه في النهاية بالنجاح.
وحقق ذلك الاستقلال ويزين تمثاله واحدا من أهم ميادين القاهرة.
واعتاد عمي علي الاشتراك في مجلة ثقافية وأكاديمية مصرية تسمى الهلال، بينما اعتاد والدي علي الاشتراك في مجلة الأزهر، التي كانت تسمى في فترة من الفترات نور الإسلام، ثم غير إسمها فيما بعد إلي مجلة الأزهر. وكنت أقرأ بنهم ما يتيسر لي فهمه من موضوعات هاتين المجلتين.
كان والدي رجل دين بينما اهتم عمي عيسى بالتعليم العلماني. وجاءت معظم الأدبيات التي قرأها عمي من ناشري دار الهلال وتيسر لي الاطلاع علي بعضها. فلقد كنا نعيش في منزل واحد. والدي وأسرته في أحد أجنحته. وعمي وأسرته في الجناح الثاني من بيتنا الكبير. وفي الدور الأرضى منه: المجلس، الذي هو بمثابة غرفة جلوس وبالحائط كوة اعتاد عمي أن يضع بها بعض الكتب المختارة المتاحة لكل من يريد تصفحها وتثقفت في
طفولتي بكتب المفكر المصري القبطي جورجي زيدان.
فلقد كان أسلوبه في الكتابة بسيطا ومباشرا. وانكببت علي قراءة رواياته التاريخية مثل (السابع عشر من رمضان، المتعلقة باغتيال الإمام علي رضي الله عنه، و (تاريخ الأدب العربي) الذي
أفادني وتعلمت منه الكثير. ولم تعد كتبه تتمتع الآن بما كان لها من شهرة من قبل، بسبب التحيزات الدينية التي تنامت. أما بالنسبة لي، فإنها كانت موئل ثقافة بالغ الأهمية. ولم اكترث البتة بكونه غير مسلم وكنت أتذكر على الدوام قول النبي صلي الله عليه وسلم: " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها وكنت أعي أن تاريخ جورجي زيدان لم يخلو من تحيزات وأن صاحبه سعى إلي تضمينه ما يؤكد مساهمة غير المسلمين في الحضارة العربية والإسلامية إلا أن كتبه لم تكن متحيزة ضد الإسلام والمسلمين بالدرجة التي كانت عليها كل الكتب الدراسية الأخرى التي كتبها مبشرون واستعماريون والتي تفيض بها المدارس والمكتبات الخاصة والعامة.
وكانت توجد في مدينة زنجبار بعض المكتبات العامة، وبعض صالونات القراءة. وجميعها عدا واحدة ملك لطوائف مختلفة نذكر منها: المكتبة العربية ومكتبة الإثناعشرية، ومكتبة أغاخان ومكتبة تيلاك الهندوسية، والمكتبة، السنية والمكتبة القمرية. أما المكتبة الوحيدة التي لا يشير اسمها إلي أية طائفة بعينها فهي: نادي الكتاب، وهي الأكثر تنظيما والأكثر احتراما، ولكنها كانت قاصرة علي المشتركين فيها. ورغم أن كل المكتبات الأخرى توجد علي موائدها لافتات مكتوب عليها: للمشاركين فقط، فإننا كأطفال نريد القراءة وليس معنا نقود لدفع الاشتراك، ولا ننتمي لتلك الطائفة التي تتبعها المكتبة، كنا، ببساطة، نتجاهل تلك اللافتات. وما كان قلب أحد يطاوعه علي طردنا، طالما التزمنا بحسن السلوك. وكنت أحب القراءة بنهم
227
226