الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١١٧:ثامنا الشيخ عبد الله الحضرمي والسيد سعيد بن علي
غرس عمي عيسى في نفسي الاهتمام بحياة العظماء من بين أهلنا، ومن الشخصيات العالمية، وعمق ذلك الاهتمام في وجداني أستاذي الشيخ عبد الله محمد الحضرمي المتعدد المواهب الذي كان ضمن الدفعة الأولي المتخرجة في المدرسة التي أسسها السلطان السيد علي بن حمود، والذي أسعدنا بالتتلمذ علي يد
أمثاله.
كان هذا الأستاذ من النوع الذي يمكن وصفه بأنه: عصامي تغطي المعرفة التي حصلها بالقراءة الموسوعية المكثفة: جغرافية وتاريخ كل البلاد، ويتحدث العربية والإنجليزية والسواحيلية بطلاقة. ولا يكتفي في الفصل بالمقرر المحدد المفترض أن يلتزم به بل يسمح لنفسه بتقديم تحليل نقدي لكل ما يعرفه في كل المجالات. ومنه تعرفت علي الحركات الوطنية في الهند وتركيا وسوريا ومصر والسودان وفي كل مكان. وكانت معرفته بالتاريخ البريطاني رائعة.
أحطت منه بتفاصيل تاريخ غاندي وحركته، وحركات ما قبل محمد علي جناح وغاندي والمعلم موتيلال والد نهرو، والتيلاك والسيدة نيدو ومحمد إقبال العقل المؤسس لباكستان، وأكبر العظيم، وغيرهم من الأعلام البارزين فيما قبل تقسيم الهند. وكان يسحر عقولنا وقلوبنا حينما كان يتحدث في التاريخ الإسلامي تاريخ الأمويين والعباسيين والفاطميين، وتاريخ صلاح الدين وتاريخ الدولة العثمانية، وعن الصراعات الأولي بخصوص
الخلافة.
ومرد جمال معرفته الواسعة، أنه كان يعرف كيف يربطها بقضايا عصرنا الحاضر. وأتذكر أنه حذرني في بداية انخراطي في العمل السياسي من الذهاب إلي المقيم البريطاني بمفردي، وقال لي: القد سمموا مصطفي كامل، بينما كان يحتسى الشأي مع المندوب البريطاني في مصر إلا انني لم أستطع التثبت من صحة هذه الواقعة. أحبني، واحترمته وأحببته حبا جما. وكنت أعلم أنه وكل أساتذتي، فخورون بما جعلوني قادرا علي فعله وتحقيقه لبلدي
ولشعبي.
و كان السيد سعيد بن علي ابن السلطان السابق السيد علي بن سعيد وحفيد السيد سعيد الأكبر، زميل دراسة للشيخ عبد الله الحضرمي. وفرض هذا المثقف علي نفسه عزلة تامة دامت عدة سنوات في منزله الكائن خلف القصر. وأرسل ابنه الأكبر السيد محمد، في شيخوخته، يدعوني لمسامرة ودية قاصرة علينا. وكان فى ذلك تشريف لى بالنظر للفرق بيننا في السن والمكانة. ووجدته مهتما ومتمكنا بدرجة عالية في الشؤون الداخلية والخارجية. وياحسرة بل ألف حسرة علي أن يتجرع أمثاله مرارة رؤية بلادهم يحكمها سفاحون من أمثال كارومي. وأذكر من بين أبناء هذا السيد الكثر، اثنين مناظرين لي في العمر، ومن بين أصدقائي في شبابي هما: خليفة وماجد.
:تاسعا: "النمل" جمعية المعونة المتبادلة
قال لي محمد سالم البرواني الشهير بجينجا، في العام الأخير من دراستي بالمرحلة الإبتدائية: "لدينا جمعية مساعدة متبادلة نسميها "النمل". فاجتهد في الدراسة. وإذا تفوقت في الامتحان النهائي، فإننا علي استعداد للإنفاق علي تعليمك في مدرسة
231
230