الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١١٨

سانت جوزيف الثانوية، ثم سنبعتك إلي جامعة الأزهر بالقاهرة. وهناك سترتوي بروح الوطنية والنضال ضد الاستعمار. وما نريده منك، في المقابل، أن تعود بعد أن تتأهل إلي الوطن، وتساهم في نشر الشعور الوطني بين المواطنين".

امتلأت جوانب نفسي بالسرور فلطالما كانت أمنية أبي أن ينتقل بأسرتنا إلي القاهرة، ليدخلني جامعة الأزهر كي أدرس العلوم الإسلامية، بينما يمضي هو ما تبقي من عمره بصحبة أساتذتها. وزار زنجبار، في ذلك التوقيت اثنان من الشخصيات الدولية الشهيرة المتخصصة في الشؤون الإسلامية. أولهما هو الدكتور خالد شيلدريك، وهو مسيحي بريطاني اعتنق الإسلام وأخذ يطوف بالعالم يدعو لدينه الجديد، أما الثاني فهو عالم شهير من الهند هو مولانا عبد العليم صديقي، يتحدث الأردية والعربية والإنجليزية بطلاقة. وخرجت مناظرته الشهيرة مع جورج

برنارد شو في كتاب جدير بالقراءة.

وتاقت نفسي لأن أسير علي درب هذين العالمين. ولم يكن ما اقترحه محمد سالم جينجا يتعارض مع ما يعتزم والدي عمله. ولكنني لم أخبر والدي بما اقترحه جينجا. ولا كشفت لجينجا عما يعتزمه والدي. وكنت فيما يخصني أعلم أن الوطنية والدين لا يتعارضان، ولكنني لم اكن أعرف موقف الآخرين من هذه المسألة. ولما كان هدفي الآني هو الإلتحاق بالأزهر، فقد تصدرت مسألة تحصيل المزيد والمزيد من المعرفة سلم أولوياتي. ولم يكن شئ في الإسلام يملك علي فؤادي آنذاك أكثر من قول النبي صلي الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة والحكمة القائلة: أطلبوا العلم ولو في الصين".

ولم يكن في زنجبار، في ذلك الحين - عام 1932 - إلا مدرسة ثانوية واحدة، هي مدرسة سانت جوزيف تديرها إرسالية كاثوليكية، ولا تدرس بها العلوم الطبيعية البحتة حصلت على شهادة إتمام المرحلة الابتدائية بامتياز ومنحت وثيقة مزركشة مكتوب فيها بخط منمق "شهادة إتمام المدرسة المتوسطة العليا" وقد كانت بمثابة ما يعتبره أبناؤنا وأحفادنا الآن درجة جامعية.

وفي ذلك العام أعلنت حكومة زنجبار قرارها بفتح مدرسة ثانوية حكومية في العام التالي. ولما كانت المدرسة المقرر فتحها حكومية، وستدرس فيها العلوم البحتة، فإن والدي ووالدتي فضلا انتظاري حتى تبدأ الدراسة بها. أما عن كيفية الاستفادة من عام الانتظار، فتمثلت في " إلتحاقي بمدرسة التجارة في عامها الأخير قبل إغلاقها". ولم أندم علي ذلك العام الذي أمضيته في تلك المدرسة، متتلمذا علي الناظر الشيخ سلطان خميس المغيري الذي علمنا مسك دفاتر الحسابات، ومشاريع الأعمال، والحسابات المالية، والكتابة الآلة الكاتبة والمراسلات التجارية. وواصل أستاذي القديم

ــى

عبد الله صالح الفارسي والي دارسي تعليمنا اللغة الإنجليزية. وكعادتي اجتزت امتحان المدرسة التجارية بدرجات عالية. ورغم انني لم أدخل مجال الأعمال التجارية، ولم أشتغل بأعمال كتابية، فإنني استفدت من ذلك العام، في تعلم الكتابة باللمس علي الآلة الكاتبة، وهو ما كان عظيم النفع فيما بعد، إذ جعل كتابتي لمقالاتي حينما عملت بالصحافة أمرا سهلا. وصرت أكتب بأصابعي العشر علي نحو أفضل من الكتابة بخط اليد، التي يصعب فك رموزها. ومع مجئ الحاسب الآلي باتت الكتابة أكثر

233

232