الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٥٣:سادسا: مع نيريري في غانا
ذات مساء في شهر مارس،1958 كنت جالسا مع جوليوس نيريري في رواق فندق أفينيدا اليوناني بأكرا، أحتسي عصير الأناناس، بينما يرتشف هو شرابا ما معتقا قلت له: "ما يقض مضاجعنا في زنجبار هو عدم كفاية المرافق التعليمية. فليس لدينا ما يكفي من المدارس الثانوية، ولا يوجد لدينا معاهد عليا. ولو تيسر لي حل مشكلة التعليم، فإن ذلك سيفضي بالتبعية إلي حل المشكلة السياسية، لأن من سيظلون قابلين للتغرير بهم حينئذ سيكونون قلة قليلة.
رد نيريري بالحرف الواحد، بقوله: "لاحاجة لي بالتعليم، علـ الأقل في الوقت الحاضر. ومن حسن حظي أنه لا يوجد عندي عدد كبير من المتعلمين، لأن تلك القلة المتعلمة هي مصدر الصداع بالنسبة لي. فأمثال فونديكيرا ولوجوشا وماريالي هم الذين يعارضونني. ولا أريد المزيد منهم بالمرة في الوقت الراهن. فالتعليم سيأتي بعد الحصول علي الاستقلال. أما ما أنا بحاجة إليه الآن فهو سيارات لاندروفر. فبلادنا مترامية الأطراف. ولكي نفوز في المعركة الانتخابية القادمة يتعين علينا أن نجوبها بطولها وعرضها من أجل الدعاية الانتخابية. وستغمرنى سعادة لاحدود لها، إذا عثرت علي بلد علي استعداد لإمدادي بتلك السيارات". قلت له: على حد علمي يمكن أن تقدم مصر مثل هذه المعونة. فلم لا نتصل بالسفير المصري هنا، وتطلب منه ما تريد، وأطلب منه أنا ما أريد؟ رد بقوله: " حدد لنا ميعاد معه". بناء علي طلبه هذا اتصلت هاتفيا بالسفير، واتفقنا على اللقاء في العاشرة صباح اليوم التالي.
حرص صاحبي نيريري علي مغادرة حجرته بالفندق التي كانت مقابلة الحجرتي في الصباح الباكر، وغادر الفندق دون أن يترك
أية رسالة.
اضطررت إلي الذهاب إلي السفارة المصرية بمفردي. وقلت للسفير أن صديقي ربما يأتي بنفسه ويقدم لكم مطالبه. أما أنا فإن ما أريده هو معونة بلادكم لنا في التعليم الثانوي، وما بعد الثانوي. وأبدي السفير تعاطفه مع مطلبي. وأكد لي أنه على يقين بأنه سيلبي. ولكن علي أن أزور مصر بنفسي بهذا الخصوص، وسيعلم حكومة بلاده بزيارتي وباحتياجاتي.
تذكرت أن وفدا من الحزب الوطني الزنجباري كنت من بين أعضائه، رد علي عقبيه من نيروبي في العام السابق، وحيل بينه وبين حضور المؤتمر الأفروأسيوي الذي كان مقررا عقده في القاهرة. وتحاشيا لتكرار تلك التجربة، رتبت مع وكيل سفرياتي. م. تاكيم أن يزودني بتذكرة سفر من زنجبار إلي أكرا والعودة. ويزودني بتذكرة أخرى منفصلة من أكرا إلى القاهرة لأستخدمها إن
لزم الأمر.
وتبين لي لاحقا ما لم أكن أعلمه في حينه، من أن نيريري تجنب عن عمد الإلتقاء بالسفير المصري فطيلة سنوات نضالنا لـ يحدث أبدا أن شارك نيريري في مؤتمر مناهض للإستعمار. فهو
كان يعرف جيدا الجانب الذي تلتقي معه مآربه. ولم يكن علـ استعداد بالمرة لقبول اقتراح قد يؤدي من قريب أو بعيد إلي تصنيفه في خانة المناهض للإستعمار. ومن شأن ربطه، وهو لا يزال طري العود بمصر الناصرية أن يشوه اسمه في نظر
الاستعمار بلا ريب
303
302