الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

إلا أن السبب المباشر لمغادرته الفندق مبكرا في ذلك اليوم كان وصول جولدا مائير وزير الخارجية الإسرائيلية آنئذ، بهدف معلن هو الإلتقاء بالقادة الأفارقة المرتقبين. ونظم السفير الإسرائليي حفل استقبال لها، دعينا إليه جميعا.

لم أحضر الحفل. ولكنني علمت بكل تفصيلات ما دار فيه من صديقي المعلم أمينو كانو الذي كان حينها زعيما لحزب الشعب الشمالي النيجيري. وكنت قد سمعت من قبل عن الجهود الشجاعة التي بذلها أمينو كانو في تأسيس حركته الوطنية، وكنت تواقا لمقابلته. وفي طريقي إلى أكرا رتبت لزيارته في كانو بشمال نيجيريا، وقابلته بمكتبه المتواضع الذي يعج بالنشاط كأنه خلية نحل. وتوطدت أواصر الصداقة بيننا قبل حضورنا إلى أكرا للمشاركة فى احتفالات غانا بعيد استقلالها الأول.

حضر المعلم أمينو كانو الاحتفال الذي أقامه السفير الإسرائيلي علي شرف وزيرة الخارجية الإسرائيلية. وقالت مائير للحاضرين أنها جاءت إلي أكرا خصيصا لمقابلة قادة إفريقا المستقبل. وأضافت أن العرب يحاولون تطويق إسرائيل، وخنقها وتحاول إسرائيل بدورها تطويق العرب. ومن هنا تأتي رغبتها في أن يكون لها أصدقاء في البلدان الأفريقية للتصدي للعرب وإسرائيل، وفق قولها " دولة صغيرة حديثة عهد بالوجود ولكن الشعب الإسرائيلي لديه خبرة كبيرة في التغلب علي الصعوبات. وبذا فإن بلدها في وضع يمكنها من تقديم الإرشاد والمعونة للبلدان الإفريقية الناشئة التى تواجه صعوبات مماثلة.

ومن البدهي أن جوليوس نيريري كان حاضرا، وجاهزا لإنشاء علاقة صداقة دائمة مع دولة إسرائيل. وذهب عدد من العربات

اللاندروفر التي حصل عليها نيريري من إسرائيل، إلي حزب الإفروشيرازي الذي تصدى لناضلنا الوطني. ولم يكن من قبيل الصدفة، بالتالي، أن ذكرت المخابرات المركزية الأمريكية، أن قاسم هانجا زعيم حزب الأفروشيرازي، وبابو زعيم حزب الأمة كانا ي السفارة الإسرائيلية بدار السلام قبل الانقلاب الذي أطاح بحكومتنا في وقت لاحق في يناير 1964، بأيام معدودات.

وبعد انتهاء احتفالات غانا بعيد استقلالها الأول، دعانا نكروما إلي مقر رئاسته بقلعة كرستيانبرج، التي بناها الدانمركيون حينما كانوا يتاجرون في العبيد. وبتلك القلعة حظائر كان يتم الاحتفاظ بالعبيد فيها توطئة لنقلهم بحرا عبر المحيط الأطلسي إلي أمريكا. وما من دولة أوربية إلا وشاركت فى تلك التجارة في البشر، بما ذلك البريطانيون والفرنسيون والهولنديون والبرتغاليون وعم نشاطهم في تجارة الرقيق كل أرجاء إفريقيا، إلا أن غرب إفريقيا كان هو مصدرهم الأكبر.

وحينما حظر السيد سعيد بن سلطان تصدير العبيد من ممتلكاته بشرق إفريقيا، وواصلت فرنسا قنص العبيد من كيلوا والمناطق المتاخمة لها بالمخالفة للقانون، فهدد سلطان زنجبار بالدخول في حرب ضد فرنسا. ولم يكن الفرنسيون وحدهم الذين يقتادون العبيد من شرق إفريقيا، بل نافسهم البرتغاليون في هذا الصنيع. قال لنا نكروما، معشر ضيوفه، أنه انتهز احتفالات عيد الاستقلال كذريعة يأتي بنا من أجلها إلي غانا، لأن دعوتنا لسبب آخر قد تدفع حكامنا الأجانب إلي منعنا من المجئ إليها علي غرار منعهم بعضنا من الذهاب إلي القاهرة في العام السابق. أما

307

306