الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

أجبته بأنني أيضا: "سكرتير" مشارك لجمعية أولياء الأمور وهى منظمة غير سياسية. وبالمصادفة فإنني سكرتير لجنة المنح الدراسية بها".

عقب بقوله: "حسنا. بذا لم تعد هناك أي مشكلة".

كانت هذه هي بداية علاقة صداقة طويلة ومثمرة مع جمال عبد الناصر، يهون في مقابلها عرق سنين، ناهيك عن الانتظار أربعة أشهر علي نفقة أحمد رشاد وعبد الله مسعود الريامي جزاهما الله خيرا. فلقد آل عبد الناصر علي نفسه أن يقدم كل العون لزنجبار بكل الطرق الممكنة. وبصنيعه هذا أعاد المياه إلي مجاريها" كما يقول المثل العربي.

وصبيحة اليوم التالي، كانت المفاجأة السارة، حيث وجدت أناسا يبتسمون، ويشيرون إلي بالبنان أينما سرت في شوارع القاهرة. فصورتي وأنا أصافح الرئيس منشورة في الطبعة الصباحية من كل الصحف وابتهج أصدقائي المصريين وكل الزنجباريين الموجودين في القاهرة بما أنجزناه

ولما حلقت الطائرة فوق مطار زنجبار مؤذنة بالهبوط، أدهشني أن وجدت المطار مكتظا بحشد من البشر لم يسبق لي أن رأيت له نظيرا في بلدنا. فالحشد يغطي مداخل المطار، ويمتد إلي ما بعد بيتي الواقع علي مسافة ستة كيلومترات. وحين هبطت الطائرة أفسح لي راكب لا أعرفه الطريق، قائلا: "إنزل أنت أولا، فهؤلاء كلهم في انتظارك".

والحقيقة أنني لم يدر بخلدي بأي حال أن كل هذا الجمع قد احتشد لاستقبالي أنا النكرة. الوضيع نزلت مهر ولا مضطربا من

الطائرة لأجد نفسي في بحر من البشر، يعانقونني، ويقبلونني،

ويدفعونني، وأنا في حيرة من أمري لا حدود لها.

وحكوا لي فيما بعد أنه قبيل وصولي، قال خالي الشيخ سعيد بن ناصر ابن عم، والدتي، لشقيقي الأكبر، مازحا ومتعجبا في آن: واحد: من ذا الذي جئنا للترحيب به؟ رد أخي محمد: "فيم السؤال؟ علي بالطبع. قال له: أي علي؟ أجابه: "علي محسن". قال: "ابننا؟ ". فما كان ليظن أن واحدا من أبنائه المنسيين قد بات له من الأهمية ما يجعل مثل هذا الحشد يخرج لاستقباله.

وفي النهاية سمح لي الجمهور بركوب عربة جيب مكشوفة ووقف رئيس حزبنا فواي كيتوويو إلي جانبي. ودفع الجمهور المتحمس السيارة ببطء والشباب الدافع لها، والسائر خلفها يرددون بصوت واحد بوانا" علي: نريد الحرية، نريد الحرية". وحينما كنا علي مشارف المدينة عند نادي منازيموجا، لم أتمالك نفسي، وفاضت عيناي بالدموع، ولسان حالي يقول: ماذا بوسعي أن أفعله للوفاء بآمال وتطلعات هؤلاء الذين ائتمنوني عليها، ووضعوا ثقتهم في؟ ما الوسائل التي بيدي لأسترد لهؤلاء الناس حريتهم السليبة؟ هل يعلم هؤلاء مدى ضعفي وقلة حيلتي؟ وفي هذا المقام قطعت علي نفسي عهدا لا رجعة فيه أن لا أدع بابا يمكنني منه خدمة أمتي إلا وطرقته".

327

326