الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢١٩1
الفصل الخامس عشر
العمل السياسي
أولا: مداواة فيروس الأساطير بالتنشئة الأسرية
يستهل المؤلف هذا الفصل بالتنبيه على فيروس بالغ الخطورة في تغذية الطائفية، ألا وهو حشو عقول أطفالنا بأساطير تجاه بعض مكونات النسيج الإجتماعي، أو تجاه أي جماعة بشرية. فالتربية غير السوية التي تغرس في عقل الطفل صورة تخرج أبناء عشيرة أو طائفة ما من عداد البشر، مبنية على أساطير وخرافات تهدم السلام والوئام داخل الأمم وبين الأمم والاحتكام إلى صحيح الدين والسنة، وصحيح العلم، بوصفهما مصدرين لا يتعارضان أبدا لدى العقل السليم، وربط العملية التعليمية بهما هو المخرج من ركامات الأساطير التى تتوارثها أجيالنا. والتنشئة الأسرية هي مفتاح الاستواء في العمل السياسي.
والأمر المهم الذي ينبغي التنبه إليه أن المؤلف يتناول تحت عنوان العمل السياسي أمورا ليست على شاكلة ما يدعو الغرب إلى دراسته تحت مثل هذا العنوان فهو يبدأ بدور الأسرة في التنشئة السياسية المستقيمة، ويثني بأثر أحوال الأسرة على التشكل النفسي والعقلي للطفل. أما الدرة الثالثة الثمينة التي يفتح عين القارئ عليها فهي تجلية تأثير ما يدرسه الطلبة من حكايات أسطورية على عقولهم، وضرورة حسن الإنتقاء، لكونهم يسقطون ما يدرسون على واقعهم. ثم تأتي النقطة الرابعة في التأسيس الذي يقدمه المؤلف من واقع خبرته وشهادته، متمثلة في الوعي بأن الآخر، مثل الأنا، في صفوفه الصالح والطالح. فأهل الكتاب كما علمنا قرآننا (لَيْسُوا سَوَاء). وأما الدرة الخامسة التي يؤسس للوعي بها، فهي أن الصحافة سلاح ذو حدين، وهي ناسفة للسلام إن كانت قبلتها هي تعميق الحاجز الثقافي بين البشر. ويؤكد هنا أنه لا فروق جوهرية تذكر بين كافة القبائل والشعوب والأمم، وأن السياسة المبنية على إظهار الفروق تضر ولا تنفع على العكس من التركيز على القواسم المشتركة بين البشر وبين الثقافات. ويجلي هذا الفصل حقيقة جوهرية هي ضخامة القاسم المشترك بين الإسلام والمسيحية، وأن كل الفروق بينهما مفتعلة من صنع المرجعيات الكنسية بالمخالفة للكتاب المقدس ذاته - المترجم
روعني وأنا ما أزال طفلا، الجهل الذي رأيته مستشريا بين معظم خلاني في ضاحيتنا، فيما يتعلق بعالم القوى ذات الطبيعة الخارقة عالم الأشباح والسحرة. ولم أعتقد في كلمة واحدة مما كان سائدا من حولي. ومرد ذلك أن والدي كان رجل دين لا يصدق إلا ما جاء بالقرآن وبالسنة النبوية المطهرة. وهو كان لا يقبل فيما عدا ذلك إلا ما أثبته العلماء وأقاموا الحجة على صحته. وكانت لديه قناعته أنه لا تناقض بين الدين والعلم فكلاهما يعضد الآخر. فلم ير تناقضا بين نظرية دارون عن النشوء والتطور، وعناصر جدول مندل الوراثي من جهة، وقصة خلق آدم وحواء من جهة أخرى. كان تعليمه دينيا محضا، إلا إنه كان يصر علي أن أعرض عليه كل يوم ما تعلمته في المدرسة. وكلما كبرت صارت محاوراتي معه أكثر جاذبية وثنائية الاتجاه. وكانت هذه الممارسة هي أفضل طريقة للمراجعة. وتعين علي أن أشرح له بكيفية يستطيع أن يفهم بها كل مسائل الكيمياء والفيزياء والأحياء المعقدة بمصطلحاتها. ثم يحكي لي هو بعد ذلك تصوره بلغة دينية وميتافيزيقية. وبهذه الطريقة وقاني من الشكوك والتناقضات التي تغير عادة علي عقول الشباب المراهقين.
وعلي الرغم من أن حالتي الصحية في طفولتي لم تكن علي ما يرام، حيث اعتدت علي الإصابة بالملاريا، وأصبت أحيانا بالدودة الشصية، ومرة بذات الرئة، فإن طفولتي كانت سعيدة بوجه عام. ومع إعلان إفلاس والدي وأنا في السادسة أو السابعة من عمري انغرس في ذهني من طفولتي أن الجهل والفقر هما العقبتان الأساسيتان أمام الحياة الطبيعية.
435
434