الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

والذين لا يخسرون أبدا في صناعة القرنفل هم من يجنونه، يليهم وإن بدرجة أدنى من يصدرونه. فالقاطفون والمصدرون هم فقط في دائرة الأمان. أما المُخاطر فهو المنتج. فهو الشخص الذي يصدق عليه المثل: "القرنفل ينهار دون إنذار". فالمنتج - المزارع - واقع بين رحى القاطف والمصدر. القاطفون يملون القطف، وإذا لم يكن مرضيا لهم يتركونك عن بكرة أبيهم، سعر ويذهبون إلي منتج، آخر دون رد المبالغ التي دفعت لهم مقدما. وهم دائما في مركز من يملي إرادته استنادا علي قوة المساومة الجماعية. ويملي المصدّر بدوره سعر الشراء، ويغدو بوسعه بالقروض التي يكون قد قدمها للمزارعين بضمان المحصول مسبقا، ابتزازهم حتى الثمالة. وعلاوة علي القاطف والمصدّر، بل قبلهم، يأتي تقلب المناخ في زنجبار علي نحو لا يمكن التنبؤ به. فهو مناخ شبيه بمناخ انجلترا.

ولتغطية تكلفة الجني، الضخمة، والتي تتضمن الاستعداد لدفع مقدمات مالية مسبقة للقاطفين المرتقبين وكثير منهم لا يوفون بما اتفقوا عليه، ولا يردون ما في ذمتهم وتخزين كميات كبيرة من المواد الغذائية اللازمة، وشراء حصر جديدة للتجفيف عليها كل موسم، وتوفر سيولة نقدية للقاطفين الذين يتقاضون أجرهم مساء كل يوم حسب الكمية التي جنوها، يضطر المزارع إلي الإقتراض من المصدرين ذاتهم الذين من مصلحتهم امتصاص آخر قطرة من دم المنتجين.

ومن هنا تمثلت الوظيفة الرئيسة لجمعية مزارعي القرنفل في توفير هذه الخدمة النافعة فقبل إنشاء هذه المنظمة، وقعت نسبة كبيرة من المنتجين الزراعيين في حبائل المقرضين الربويين

انتقلت ممتلكاتهم المرهونة إليهم وطراً تحول سريع علي النمط التقليدي المتمثل في تشكل المجتمع الزراعي من العرب والأفارقة، وتشكل مجتمع التجارة من الهنود، ولكن ليس في اتجاه تبادل المواقع. صار العرب والأفارقة مديونين معدمين يطردون من بيوتهم وممتلكاتهم، وآلت ملكية كل شئ إلى الهنود.

وأنشأ ريتشارد رانكين بصفته المدير البريطاني العام آليتين أخريين مكملتين لعمل جمعية مزارعي القرنفل، أولاهما هيئة نقل ملكية الأراضي، ومهمتها هي التدقيق في كل عملية بيع للمزارع. لم يعد من المسموح به التصرف في أراض زراعية مملوكة لعربي أو إفريقي إلا بموافقة الهيئة. أما الإجراء الثاني فهو إنشاء: مشروع تسوية الديون. ونقلت الأراضي المرهونة للدائنين إلي هذا المشروع لإدارتها، مع دفع فوائد للدائنين بمعدل سعر الفائدة المعمول به في البنوك، وليس بالمعدلات المتضخمة التي كان المرابون يفرضونها. وبهذا الشكل تم إنقاذ تلك الممتلكات والحفاظ عليها. وبها تمكن المزارعين من استعادة

ممتلكاتهم وكل حقوق التصرف فيها بعد سداد ما عليها من ديون

كان صاحب هذه الإجراءات الاقتصادية الثلاثة بالغة الأهمية فكرة وتنفيذا هو المقيم البريطانى ريتشارد رانكين. بيد أنه ووجه بمعارضة شديدة من زعماء الجالية الهندية. وشن الاتحاد الوطني الهندي الزنجباري حملة ضد تلك الإجراءات، وبعث بوفد من ممثليه إلي الهند سعيا للحصول علي مساندة حزب المؤتمر الوطني الهندي. ويحسب لمن صاروا لاحقا مؤسسين لدولة باكستان، وفي مقدمتهم محمد علي جناح زعيم العصبة الإسلامية، أنهم قاموا بحملة

439

438