الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٦٠

أطاح بحكومة الحزب الوطني وحزب الشعب الديموقراطية المنتخبة عام 1964. وبعد فترة وقع هو الآخر فريسة لشجرة الشر التي زرعها فلقد قتله كارومي، المستأسد الذي جاء به هو إلي سدة الحكم، والذي كتب له سيرة ذاتية تنبض بالتملق

والمداهنة.

وبالمثل فإن عثمان، شريف، أدار ظهره لمبادئ الجمعية الوطنية الزنجبارية التي كان عضوا بها ولو لفترة يسيرة، وأصبح عضوا ناشطا في غرس الأفكار الفاشية والشوفينية في عقول المثقفين الأفارقة، مؤججا نيران الفرقة بين الزنجباريين وانتهي به المطاف إلي المشاركة في تأسيس حزب الأفروشيرازي، وصار لفترة زعيما لكتلته البرلمانية، بينما احتفظ كارومي بالرئاسة العامة لذلك الحزب. وكوفئ بعد إطاحة حزب الأفروشيرازي بالحكومة الشرعية واغتصاب السلطة، بمنصب وزاري

ولعلم كارومي بالطموحات الشخصية لعثمان وتخوفه من مكائده، نحاه في وظيفة بالسفارة التنزانية في لندن، ثم في واشنطن. وأثناء زيارته لزنجبار نجا بأعجوبة من عملية تصفية جسدية له علي يد كارومي. فلقد تدخل نيريري في الوقت المناسب، على أساس أن عثمان كان دبلوماسيا يمثل الاتحاد التنزاني، وليس زنجبار. وبالتالي فلا ولاية لكارومي عليه. وعينه نيريري طبيبا بيطريا في منطقة أرينجا بوسط تنجانيقا.

إلا أن كارومي لم يكن من النوع الذي يقبل بسهولة، أن يحال بينه وبين من يريد افتراسه ومن هنا فإنه تعقب عثمان حتى في ايرنجا، وأكره اثنين أو ثلاثة من أصدقائه المقربين، علي تقديم دليل مشفوع بالقسم أمام المجلس الثوري، علي أنه كان يتآمر

للإطاحة بالحكومة. ثم دفعهم إلي الذهاب إلي نيريري، وإعادة مزاعمهم علي مسامعه. وبذا أعيد عثمان إلي زنجبار مكبلا. ويقال أن كارومي أجهز عليه بيديه الملطختين بالدماء، بعد أن أذاقه أبشع أنواع العذاب.

وبحكم العدالة، لقي من خانوا عثمان بتقديم أدلة مزيفة ضده تنفيذا لما طلبه كارومي منهم ذات المصير الواحد تلو الآخر علي يد ذلك الوحش غير الآدمي، وراحو جميعا ضحية للانتهازية السياسية التي عكفوا عليها. ثم توج هذا المشهد بتلقي كارومي رصاصة الرحمة علي يد ضابط بالجيش الزنجباري أفرغ خزينة ذخيرته بكاملها في أحشائه. وبعد أن استبد هذا الطاغية بالشعب الزنجباري ثمانية أعوام من عام 1964 حتى 1972، جاء النقيب حمود ليسوقه إلي قبره بثمانية ثقوب بالرصاص في أسمن موضع

في جسده.

وحينما كنت أنا وعثمان شريف زميلي دراسة في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات كان عثمان شريف يبذل قصارى جهده للتأكيد علي أنه "فارسي " الأصل. وكان يفتخر بكونه شيرازيا من بيمبا، ويتنصل من الأصل الإفريقي. فلقد كان الإفريقي (الأصل في ذلك الوقت، ينظر إليه، خاصة في البر الإفريقي، علي أنه من أدنى الطبقات.

ومن هنا كان من مقتضى الانتهازية السياسية أن يبرز أصوله الشيرازية. فلقد كان هرم التصنيف السائد في البر الإفريقي في حينه من الأعلي إلي الأدنى كما يلي: الأوربي ثم الأسيوي ثم الإفريقي، في كل شئ من التعليم إلي المرتبات مرورا بالعلاج في

517

516