الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٦٢

وكنا في ذلك أشبه بمن يستخدم عربة يجرها ثور، ونفسه تتوق إلي سيارة. ورأت السلطات الاستعمارية في هذا الترتيب صمام أمان للشعب، وطريقة لتمكين الحكومة من معرفة آراء الشعب وأحاسيسه، دون منح سلطة بالضرورة للشعب. وحين استقلت من الخدمة الحكومية، وأنا في أواخر العقد الثاني من عمري، ألح علي فريق من المتحمسين الأكبر مني عمرا وخبرة بالمشاركة الأنشطة في الجمعية العربية.

استشرت مرشدي محمد سالم جينجا. صارحته بمآخذي علي الانخراط في منظمة طائفية بلا مراء، بينما أن مبدئي ومبدأه هو تأسيس الوطنية الزنجبارية. قال لي محمد سالم جينجا أن الانضمام ليس فكرة سيئة، بل سيكون فرصة تفتح الباب أمامي لبث الأفكار الليبرالية والتقدمية في أوساط تلك الجمعية، والسير بها علي الطريق الصحيح.

وسرعان ما أصبحت، بعد انضمامي لتلك الجمعية، عضوا منتخبا في لجنتها التنفيذية. ووجدت في تلك اللجنة إخوة يشاطرونني الرأي، أذكر منهم السيد سيف بن حمود بن فيصل وأحمد سيف الخروصي، وعامر زاهر، والمعلم هلال محمد هلال وأحمد محمد ناصر اللمكي. ولم يكن تحويل منظمة عرقية إلي منظمة ذات منظور وطني جامع بالأمر السهل المنال.

ولم يكن بالأمر اليسير أيضا توسيع مدارك مجتمع زراعي تعود علي مدى عقود طويلة علي مطالبة سلطة الحماية بتنازلات علي اساس طائفي، إلي مجتمع ينصب انتباهه علي بناء الوحدة الوطنية، والمطالبة بالتحرير الوطني كواحد من حقوقه. وأتذكر أنه في أول مرة طرحت فيها موضوع توحيد الصفوف بوضع أيدينا

في أيدي الطوائف الأخرى، هاجمني عضو محافظ باللجنة قائلا: "سياستك معروفة جيدا. أنت شيرازي ". ولم أرد بأكثر من ابتسامة ساخرة. وبمرور الوقت صار ذلك الشخص نفسه من كبار مؤيدي سياسة الوطنية الزنجبارية. واعتاد بعدها على تسميتي بـ "الحكيم". رابعا الشيخ عبد الله بن سليمان الحارثي 3

جاءت نقطة التحول المصيرية الحاسمة في مسار الجمعية العربية، حينما تبنى رئيسها المبجل الشيخ عبد الله بن سليمان الحارثي مبادئ الوطنية الزنجبارية بكل مضامينها، جملة وتفصيلا. ومن النادر للغاية أن يتحول رجل مسن راسخ القدمين في موقعه، إلي مناصر لقضية راديكالية جديدة. ولكن الشيخ عبد الله كان من نوعية يندر نظيرها فهو عالي المقام في الشجاعة الأخلاقية، وفي الأمانة، وفي الإخلاص.

بالصدفة البحتة، كان مسقط رأسه في عمان. فسلالة الحارثي ذات جذور عميقة في زنجبار وشرق إفريقيا تعود لأكثر من ألف عام. ويقال أن أول شيرازي قدم إلي شرق إفريقيا عام 985 ميلادية، بعد قدوم الحرث إليها بستين عاما. وكان الشيخ عبدالله هو ثاني أهم شخصية مرموقة في زنجبار بعد السلطان. له سمعة طيبة في إصلاح ذات البين والحكم بين المتخاصمين أفرادا كانوا أم طوائف. وهو من النوع الذي يتمسك بما يعتقد أنه الصواب

3

هو

الشيخ عبدالله بن سليمان بن حميد بن عبدالله الحارثي من بلدة المضيرب بشرقية عمان ومن أعيان العرب في زنجبار. وكان رئيسا للجمعية العربية بها.

521

520