الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٦٦

1

الفصل التاسع عشر

حكومة المثقفين

أولا: الحكومة بين معياري الثقافة والنزاهة

يستهل المؤلف هذا الفصل ببيان أنه هو ورفاقه قد تأهلوا جيدا لتولي مقاليد السلطة في البلاد بعد رحيل الاستعمار ومع أنه يرى أن وصف البعض للحكومة المنتخبة اليتيمة بعد الاستقلال، التي لم تعمر غير شهر واحد بحكومة المثقفين تقريظ قد يكون مبالغا فيه، فإنه يؤكد على أن إخفاق حكومة الانقلاب في الحصول على أي دليل إدانة ضد أي مسؤول بتلك الحكومة، من الوزير إلى الساعي، رغم وضعها يدها على كل مستندات الحكومة والحزبين الحاكمين، وعدم تجرؤها على إحالة أي مسؤول منها، سواء علت مرتبته او تدنت إلى القضاء، دليل نزاهة يسجله لها التاريخ. والواقع أنه رفع مقام حكومته بمعايرتها بمعيار أسمى في تقديري مما يسمى: الثقافة. فحكومة المثقفين قد تصاب بالانتهازية النفعية وتفسد، وقد تكون ثقافتها ذاتها مزجاة. أما العنوان الأهم لأي حكومة فهو: نزاهتها، وعدم قدرة خصومها على إدانتها أمام محاكم قانونية عادلة، وليس على صفحات الجرائد والأحاديث الإذاعية المرسلة، والمؤلفات غير العلمية والمغالطة. ثم يستعرض المؤلف الحقائب الوزارية التي تولاها ويجد القارئ نفسه في هذا الفصل أمام مؤلف جد مشغول بإثبات خصلتين ضروريتين متلازمين فى المسؤول العام الكبير: التأهل للمنصب، وعدم الاكتفاء برأيه. ففي كل وزارة خبراء من حقهم أن يستعان بهم والتغيير مر المذاق وصعب في تحقيقه، ولكن ثماره بالغة الحلاوة لمن يصبر عليه. وعين العدل هي المعاملة التفضيلية لأبناء الريف، والمناطق الأدنى في إمكانياتها التعليمية، والأصعب في ظروفها المعيشية. فبها تتحقق عدالة الفرص بين أبناء الوطن الواحد، ويتم استكشاف عبقريات كانت ستدفن، وتزال أسباب رهيبة للفرقة وللتفاوت بين مناطق وأبناء الوطن الواحد وفي حين يبين المؤلف عشقه لوزارة التربية، نراه ينقل من الوزارة التي أبدع فيها، إلى وزارة ينظر إليها على أنها متنافرة مع شخصيته، يقبلها فحسب من منطلق كونها مكروها لازما يتعين وضع المسؤولية عنه في رقبة مسؤول ما. ويلمس القارئ بوضوح كيف أن المستعمر لم يسمح للمستعمرات حين دخلت دائرة ما يسمى: الإستقلال بامتلاك بنية قانونية ومؤسسية تجعلها قادرة على البقاء دون مساندة خارجية، مما جعلها بين فكي كماشة مصالح الجهات المستفيدة من الحالة الاستعمارية، الحريصة على استمراريتها، والقوى الاستعمارية القادرة على مواصلة التدخل عبر سدنتها وأذنابها المسبحين بحمدها - المترجم

كانت تلك السنوات التي أمضيتها في التلمذة والتعلم وقطع الخطوات الأولي علي طريق تكوين البديل الجاهز لتحمل المسؤولية ذات أهمية بالغة. وشاطرني في ذات الخبرة إخواني الذين تولوا مناصب وزارية في حكومة الحزب الوطني وحزب الشعب في شتى مراحل تحمل المسؤولية من الحكم الذاتي إلي

الاستقلال الكامل.

وحينما كنت أنا وسالم كومبو وزير الداخلية السابق، في سجن دودوما، جيئ بأربعة تنجانيقيين إلي السجن، وهم شقيقي أوسكار كامبونا أوتين وماتياس، وماوامبو رئيس دائرة البروتوكول التنزاني السابق، وجيوجيو مدير المراسم بحزب الاتحاد الوطني الأفريقي التنجانيقي (تانو). والأخير هو الشخص الذي اعتاد تنظيم الحشود الجماهيرية الكبيرة بدار السلام التي توافدت في أوائل عهده بالألوف لتحية المعلم نيريري كلما عاد من الخارج، أو عقد مؤتمرات شعبية بالعاصمة، في وقت وصلت فيه شعبيته إلي ذروتها.

وتم إلقاء القبض علي هؤلاء الرجال الأربعة، وايداعهم السجن معنا، لأنهم كانوا علي صلة وثيقة بأوسكار كامبونا الأمين العام السابق لحزب الاتحاد الوطني الأفريقي التنجانيقي (تانو)، ووزير الشؤون الخارجية التنزاني السابق، الذي لم يفعل أكثر من الهروب إلى الخارج. وكان بالسجن قصاصة من صحيفة كينية تتضمن صورة الطعام دوست فوتوغرافية للوزراء الزنجباريين المطاح بهم في عهد الاستقلال. وعلق ما وامبو على تلك الصورة مبديا إعجابه بهم ووافقه رفاقه الثلاثة الآخرون، قائلا: "حكومة مثقفين". وما كنت لأصل في

529

528