الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٨٥

لنعد مرة أخرى بالذاكرة إلي خبرتي كسجين لنيريري. وأستسمح القارئ عذرا علي عدم التزامي بالفراغ من كل موضوع لدى طرحه في موضع واحد في حكايتي هذه.

بعد إيداع عبود جومبي كل الوزراء) (باستثناء الشيخ راشد حمادي الذي كان في بيمبا في السجن، ومعهم قادة الحزب الآخرين. تم سجني في غرفة محجوزة بصفة جناح مستشفى للمسجونين المرضى. ولفترة كنا نزود بأسرة وفرش وزيارتنا مسموح بها، طعامنا يأتينا من بيوتنا.

وذات يوم زارنا سعيد واشوتو، أحد السفاحين الذين تشكل منهم ما يسمى: المجلس الثوري، وأصدر أمره بسحب الأسرة. وبات لزاما علينا أن ننام على بطانية من الليف الشائك شأن بقية المسجونين والمحتجزين ولم ننزعج من هذا التحول لأنه كان بمثابة مشاركة للمشقة التي تعود عليها إخواننا سلفا. ولسبب غير، معروف استبعد بعضنا من جناح المستشفي الجيد التهوية وأودع في زنزانات حبس انفرادي، مظلمة، مليئة بالذباب بالنهار، وبالبعوض اللاذع بالليل مع وجود دائم لدلو نتن يستدعي الذباب، ولكنه لا يفعل شيئا لطرد البعوض

ثم جاء كارومي لزيارتنا. وأعادونا مع أصدقائنا في جناح المستشفى، حيث مكثنا هناك فترة. ثم نقلنا أنا وجمعه علاي إلي زنزانتين محتجزتين للمساجين المدانين قبل تنفيذ حكم الإعدام دون أن يفصح أحد لنا عن السبب. وكان علينا أن نمر بغرفة الإعدام قبل أن نصل إلى زنزانتينا. وأمضينا ثلاثة أيام مقلقة في تلك الزنزانة قبل أن يؤكد لنا مدير السجن كيلونزي، أنه لا علاقة لذلك بأي شئ صدر عنا. كل ما في الأمر أنه كانت هناك حاجة

إلي جناح المستشفي لمجموعة معتقلين قادمين من بيمبا. كان ذلك بعد مرور شهور علي يوم 13 يناير الذي دخلنا فيه السجن. وكان من بين المعتقلين الجدد من بيمبا ذلك الكذاب الأشر الذي لفق حكاية أنه كان موجودا في راحاليو، (مقر حزب الأفروشيرازي)، حينما عرض علي كارومي بزعمه منصبا وزاريا كمكافأة على التواطؤ معه في الإطاحة بحكومتنا.

وبعد ستة أشهر في السجن المركزي في كيليماني، تم فجأة نقل كل الوزراء، وقادة تومباتو: الشيخ حاجي محمد، والشيخ نياكانجا، وثلاثة ضباط شرطة سابقين سليمان سعيد الخروصي نائب قائد الشرطة، ومزي مبابا مساعد مدير الشرطة، ومحمد الخروصي مفتش الشرطة، جوا إلى دار السلام لاعتقالهم لأجل غير مسمى بالبر الإفريقي. وهذا دليل فيما لو كان هناك حاجة

إلي دليل علي أننا كنا سجناء نيريري. ولم يكن كارومي، وبابو، وجومبي، وبقية أولئك الزبانية غير مجرد أدوات يتلاعب بها سيدهم الأكبر.

وبينما كنا نمر في السيارات التي وضعنا بها، في طريقنا إلي المعتقل، عبرنا بالأكواخ وأحياء الفقراء بعاصمة تنجانيقا، وشاهدنا الظروف المرعبة التى كان يعيش الأفارقة في ذلك البلد في ظلها، وتبادلنا نظرات معبرة لسان حالها يقول: "هل يجرؤ هذا الرجل أن يقول أنه غزا زنجبار ليحرر الأفارقة من الفقر والبؤس؟

كان قد مر على استقلال تنجانيقا، عامان حين كانت زنجبار قد أمضت شهرا واحدا في أحضان الحرية. ومع ذلك كانت الحالة المعيشية فيها حتى في أسوأ أحياء الفقراء أفضل مما شاهدناه في تنجانيقا بمراحل شاسعة. فلا شئ في أبعد مكان في زنجبار يشبه

563

562