الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦ثلاثة
الظروف المعيشية للأفارقة في عاصمة تنجانيقا. ولم يفكر نيريري في خير أبدا. وبوسع شاهد العيان أن يشهد أنه بعد مرور عقود علي الاستقلال، لم يتغير أي شئ نحو الأفضل.
نقلنا من المطار مباشرة إلي كوندوشي الواقعة علي بعد عدة كيلومترات خارج العاصمة، والتي كانت مركزا لتدريب حراس السجن. وأنزلونا فى جزء من هذا المركز أثناء عطلات المتدربين ي أن يتم ترتيب أماكن أخرى لإقامتنا. وباستثاء السور المحاط بسلك شائك، فإن هذا السجن كان شبيها بدرجة أو بأخرى بالمعسكر. وكان بإمكاننا رؤية البحر عن بعد. وبمجرد وصولنا طلب منا التجرد من كل ملابسنا للكشف الطبي، وهو شئ لم يحدث لنا نظيره في زنجبار. ورابط حراس مسلحون أمام زنزاناتنا
وخلفها.
وبعد يومين أتى أوباديو روجامبوا مدير السجن، واشتاط غضبا لما رأي أولئك الحراس أمرهم بالإنصراف وهو يقول لهم: أليس لديكم ذرة ذكاء؟ هل هؤلاء من النوع الذي يستدعي مثل هذه المعاملة؟ ومن تلك اللحظة فصاعدا حصلنا علي حرية أكبر في الحركة داخل مبنى المعسكر. وينتمي روجامبوا إلي قبيلة الهايا من بوكوبا. وهو دمث .. الخلق. تعاطف مع محنتنا. ومن ثم كان يقوم بمهام منصبه بتردد، واضح، ويبذل جهده ليجعل ما يسببه لنا من تعب عند أدنى حد ممكن حسب الظروف. بل إنني أحسست أن هذا هو توجه كل العاملين بالسجن التنجانيقيين، حتى تحت رئاسة رمضان الذي خلف روجامبوا كمدير للسجن.
مكثنا زهاء شهر في كوندوشي قبل أن نرحل إلي سجن كيكو في العاصمة. وهو سجن حديث للغاية والأمن فيه مشدد إلي أبعد
حد. ذكرني هذا السجن بسجن النازي، كما تعودنا علي رؤيته في الأفلام. فهو مبني علي نحو يستحيل معه علي نزلائه أن يروا أي
شئ خارجه
الماضـ
وكم كانت صدمتنا لدى تسجيلنا حين سألونا عن القبيلة والعرق الذي ينتمي إليه كل منا. فلقد كان القبيلة والعرق من مخلفات فيما استقر عليه حالنا في زنجبار قبل تلك المحنة. ونجحنا حتى قبل الاستقلال في الضغط علي السلطات الاستعمارية من أجل إزالة أي إشارة للقبيلة أو العرق في الوثائق الرسمية. وها نحن هنا في تنجانيقا، تطرح علينا تلك الأسئلة البالية، بعد الاستقلال بثلاث سنوات. وذات يوم أتى مدير السجن روجامبوا لزيارتنا، وقال بدعابة لاذعة: لو كان الأمر بيدي لشنقت كل الساسة. أنتم أيها الناس
لا أخلاق عندكم ولا مبادئ. حين أنظر إليكم أرى أن الرئيس نيريري يكرهكم، لأن أمينكم العام بابو اعتاد أن يهاجمه في صحيفته، ويصفه بأنه صنيعة الاستعمار فما هو الوضع الآن؟ أطيح بكم وأنتم الآن بالسجن هنا، بينما بابو المذنب الحقيقي وسبب كراهيته لكم، وزيرا له. أي نوع من البشر أنتم؟ ". قال كل هذا بعبارات عامة. ولكن المعنى الدقيق لها لم يفوتنا. حقيقة أنه لو كان كل الساسة مكيافيليون يتلونون كالحرباء مثل ذلك الشخص الذي ألمح إليه، يغيرون لونهم حسب مقتضيات
الانتهازية، فإن شنقهم يكون عقوبة أقل بكثير مما يستحقون
وبعد أن قضينا عدة شهور في سجن كيكو، تم توزيعنا علي عدة سجون أخرى. أرسلوا سالم كومبو وزير الداخلية السابق، وأباذر
565
564