الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٩

في موقع لاجئ في مصر ثم في كينيا، وأخيرا في الخليج العربي. ويقدم كشف حساب دقيق وملهم لمنظمات حقوق الإنسان يضعها معه أمام مسؤوليتها عن هزال دورها بالقياس بحالة السجون في تنزانيا. ويهمس في آذان الأحرار في العالم أن يتكاتفوا في مواجهة ظاهرة الاعتقال الوقائي لأجل غير مسمى بحكم الواقع، أو بقوانين الطوارئ. فهو أبشع من الشنق. وبما أن اقضية الحرية واحدة لا تقبل التجزئة، فإنه يستنهض الأحرار في كل مكان، في مواجهة أنظمة لا تحتمل أي درجة من النقد والمعارضة، وتسجن بالشبهة لا بالدليل القاطع، ويدعوهم لتحاشى التصرف على نحو يولد إحساس المسجونين السياسيين بالنسيان، وإلى زيارة السجون وعدم الاعتماد على ما تقوله الحكومات بشأن أحوال السجون، وابتكار أساليب يستطيعون بها تمكين المسجونين السياسيين من تقديم ما لديهم من أدلة يصعب عليهم الاحتفاظ بها وإخراجها إلى النور عبر قنوات الاتصال الرسمية مع الخارج. ويتهم الغرب بتجميل صورة الأنظمة التي تستهدف ضحايا مسلمين، والتماس الأعذار لها. ويدعو أحرار العالم إلى التحول من مجاملة الطغاة ومهادنتهم إلى المفاصلة معهم، وتخييرهم بين الكف عن طغيانهم، وبين العزلة والمحاسبة.

وتلقي الدراسة الضوء على بشاعة الاعتقالات العشوائية

-

والجماعية، والمعاملات اللاإنسانية في السجون. ويبين المؤلف وربما كان هذا هو الأهم- أن معظم البسطاء الأبرياء في السجون هم ضحايا للفساد السياسي من جهة، ولأوهام السياسات الاشتراكية والرأسمالية المجلوبة من الخارج من جهة أخرى. كما أن كثير من المجرمين المحترفين هم نتاج فوضى المعاملات الأمنية التي تزج بأطفال بريئين في الحبس الاحتياطي، فيتعلمون

الجريمة بداخل المعتقل. ويبين المؤلف على صعيد التجربة الزنجبارية، أن أنظمة الحكم الانقلابية لم تقف عند حد عدم امتلاك مشروع وطني لاستعادة استيعاب معارضيها في نسيج المجتمع بعد اعتقالهم عقودا من الزمان دون محاكمة ودون تهمة بل تعدت ذلك إلى مصادرة حلمهم في القيام بذلك بجهدهم الخاص، وجردتهم من الحلم، ومن فرصة الحياة الامنة على تراب

بلادهم.

ويرسم المؤلف خريطة الثورة الحقيقة التي نستلهم بها وحدة نسيج أمتنا واستقامتها الأخلاقية، ونستعيد بها صناعة ثقافة المحيط الهندي الجامعة والحاضنة لنا جميعا، ونخرج شرق إفريقيا بها من حالة الخواء الأخلاقي والقيمي التي تردت فيها، إلى تلك الوضعية التي كانت زنجبار تسمى فيها عند العرب بلاد

الأخلاق.

وعلى قيثارة تفكيك الخطاب الكنسي وبيان عواره بالمقارنة بالكتاب المقدس من جهة، وبيان ضوابط الانفتاح على القرآن ومعانيه على نحو معبر عن الوسطية الإسلامية ومتشرب لروح الإسلام ينهي المؤلف هذه المذكرات ولسان حاله يرتل قول الله تعالى فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} (الأعلى (9)، بعد أن رسم في تقديري معالم خريطة فكرية تحتاج القضية التي تطرحها، والمحاور التي دارت معالجتها عليها إلى أن تتبناها مراكز بحوث جادة، وتصنع منها جدول أعمال لقضايا الأمة الأولى بالبحث، وتؤسس على منوالها: فقه الأمة.

ويراودني أمل كبير في إقدام نخبة ممن سيقرأون هذا الكتاب من باحثينا ومفكرينا على استلهام موضوعات بحثية منه، والتعمق

55

54