الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٨المتمسكين بتأويله الحرفي، والكيفية التي تم بها تحويله إلى مفهوم يتعلق بالتنطع والتعنت والتعصب الديني، ثم تحويله بهذا المعنى المحرف إلى مفهوم يشمل كل المسلمين المؤمنين بالوحي الإلهي وبعصمة القرآن.
وعبر تفنيد هذا المسخ المفاهيمي، يبين المؤلف أن عدوان الغرب على المسلمين، سيصب فيما لو قوبل برد إسلامي مثابر ومستنير، في صالح الإسلام في نهاية المطاف على نحو بدت بشائره تظهر، تماما كما حدث في تجربة الاضطهاد والتشويه التي شنتها روما ضد المسيحية الأولى، قبل ان ينتهي بها المطاف إلى الدخول فيها. ويبرهن على أن الغرب يعاني من عدم التسامح الديني حتى مع نفسه داخل المذاهب المسيحية المختلفة.
ومع
التسليم بأن قوى كثيرة في العالم قادرة على صنع توترات محلية وإقليمية، فإن الغرب وحده هو القادر على صنع الحرائق الكونية الكبيرة. وخبرة الحروب العالمية والتشوهات الفكرية والعقائد السياسية المتطرفة التي عرفها العالم خلال القرن العشرين خير شاهد على ذلك. وكل ما بالعالم من توترات هو مجرد أعراض وليس هو علة المرض. أما جذر تلك التوترات الذي لا خلاص منها دون التعامل الجاد معه فهو المظالم الغربية. ويقول المؤلف بحق أن الغرب ترك بلادنا وهي شبيهة بمن أصيب أحد أطرافه بالغرغرينة، قد لا يضمن حتى ببتر الطرف المصاب البقاء على قيد الحياة.
وأخيرا نأتي إلى المفصل الرابع عشر المتعلق بحالة حقوق الإنسان في عالمنا الإسلامي بعد عصر الاستعمار التقليدي. وبمعالجة عميقة ومستفيضة يسلط المؤلف الضوء على كارثة
الاعتقال الوقائي بلا محاكمة، وغلبة القوانين الاستثنائية، وهزال
دور منظمات حقوق الإنسان، وشرعية الهروب إلى الحرية والعقبات الكود التي تصادف من يرغب فيها، والتضحيات الجسام التي يتعين على الأفراد والجماعات والأمة أن تقدمها من
أجلها.
ويبين المؤلف أن المعتقلات في بلادنا مأوى للمظلومين، ومفرخة لتصنيع المجرمين من الأبرياء، مع افتقار الأنظمة الحاكمة لأفق سياسي بعيد النظر للمعالجة الحضارية لتلك الحالة، بدل المعالجة الأمنية قصيرة النظر الدائرة، بالتالي، في دائرة شك خبيثة، لا تعرف معها العفو، ولا تستطيع معها تخليص نفسها من شبح انقضاض المعارضة عليها، ولا تخليص خصومها من كابوس إمكانية التصفية الجسدية أو الاعتقال مجددا. ويوضح المؤلف كيف صارت تلك الخصال من أساسيات نظام الحكم التنزاني من منتصف الستينيات من القرن المنصرم على نحو طال الدمار والفساد والنفاق والرشوة معه كل شئ. وانعدم الوفاء بالوعود. وصار الهدم غاية بحد ذاته. وحولت المزارع والمصانع من إنتاج الفواكه والعصائر، إلى إنتاج الخمور، والغرق في الربا والميسر. وصرنا أمام أنظمة حكم مختزلة في رئيسها. وأمام شخص رئيس تجب إرادته كل القوانين والإرادات، ويسجن على هواه من يشاء، كيف شاء، وحين يشاء. ويحرم معارضيه من جواز السفر حتى بعد العتق من المعتقل. ويمنع غيره من البناء، ويتفنن هو في تدمير كل ما بناه سابقوه.
وعلى المفصل الخاتم يبين المؤلف قيمة الحرية، ويصور لنا الكيفية التي هرب بها إليها من سجن تنزانيا نيريري الكبير، حتى
53
52