الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٥١

ثرية، ولكنها كانت أمينة ومحترمة لنفسها. ومن مؤشرات ذلك أن زائريها العرب كانوا يسمونها "بلاد الأخلاق".

أتذكر علي كانجي، ذلك الهندي العجوز المحترم، الذي كان صاحب متجر في هورمزي بزنجبار يقع خلف جماعة خان الاسماعيلية مباشرة. قال لي وأنا بالغ الصغر، أنه حينما كان ذات مرة بحاجة إلى قرض بمائتي ألف روبيه، وكان ذلك المبلغ ضخما للغاية في حينها. أرسل خادمه إلى جدي علي بن عيسي يطلب منه ذلك القرض. ويقول ذلك العجوز المحترم: "أخذ الخادم هذا المبلغ بكامله فضة ليوصله إلي. ولم يكن مع الخادم، أي طلب مكتوب، ولا أي تعهد كتابي على الإطلاق. فكانت كلمة من أحد خدامي كافية لأن يأتيني بهذا المبلغ الضخم من جدك. ذاك كان مستوى الثقة بيننا".

ولا يسأم المرء من الحنين إلى أيام زنجبار الطيبة الخوالي أما زنجبار اليوم فهي على النقيض تماما. فلقد دمرت سمعتها التاريخية. فإن كان من ألبسوا أنفسهم زي الحكام، هم الذين انحطوا بأنفسهم إلى دركات سرقة مواطنيهم، فإن أساس الأمانة يكون قد انهار من أساسه. ولن يحالفهم الفوز في شئ، وستظل زنجبار أضحوكة العالم، مالم تعود إلى احترام تقاليدها وأعرافها الدينية، التي تبين الحلال من الحرام بميزان شرع الله تعالى ووفق المعايير الدولية للعدالة والفضيلة الأخلاقية، وليس وفق ما

11

مجمع ومسجد طائفة الإسماعيلية الشيعية

على يد القواس

اسمر

تراه الحكومة غير الشرعية فطالما بقيت الممتلكات المصادرة مصادرة، فإن الشعب كله سيظل منغمسا في الحرام.

ولقد وصلنا إلى مرحلة يمكن القول أن قلة فقط في زنجبار هم الذين لا يزالون أمناء. أما أغلبية الشعب، فباتت تعتبر تلك المظالم الشنيعة مثل: السرقة والنصب والاحتيال، والغش، وبيع

الممتلكات المصادرة وشرائها، أمرا طبيعيا.

ولو لم تكن ثورة 1964، قد جرت على زنجبار غير تدمير المعايير الأخلاقية لشعبها وقيمه، فإنها تكون قد ارتكبت كبيرة، تستحق بسببها اللعنة. ورغم كل شئ فإن إقامتنا في ممباسا أدخلت السرور والرضا علي وعلى عائلتي، ليس بسبب جذورنا العميقة في كينيا، بل لوجود الكثير من الأقارب والأصدقاء فيها فخال عزة سعيد بن سيف في البيت المجاور لبيتنا. وسالم سعود ابن خال عزة والفاضلة شريفة عمة عزة وفهمى سالم، وليلى لايل وزوجها محمد دويلو، وعلي أحمد الجهضمي، وأحمد عمر الجهضمي، معنا على الدوام. وأنا مدين لأحمد عمر الذي نجاني الله به من جحيم أرضي. أما محمد عبده الذي يمتلك والده وعمه جراج حبيب في دراجاني، بزنجبار، فقد بكي من الفرح، وهو يحتضنني حين التقينا لأول مرة بعد فراق استمر خمسة عشر عاما. أما الزنجباري الدكتور حسن العطاس فكان صديقا وطبيبا لعائلتنا. وكانت العلاقة جد وثيقة بينه هو وزوجته نونو محفوظ، وأنا وزوجتي عزة، وجرت العادة على قضائهما العطلة الأسبوعية معنا في متونجوي. وعلاوة على ذلك، كان لي جمع من الأصدقاء من أعمام وعمات، وأخوال وخالات عزة وأبنائهم.

695

694