تاريخ بني مزاب: دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية يوسف بن بكير الحاج سعيد

تاريخ بني مزاب

الجزء ١ · صفحة ٢٥

40

-1 الحياة الاقتصادية:

أ- الفلاحة والرّيّ:

تاريخ بني مزاب

اعتمد بنو مزاب على الفلاحة وواصلوا في هذه الفترة من تاريخهم تذليل الصعاب وتسخير إمكانياتهم المحدودة جدا لتوسيع البقع الخضراء، التي أصبحت بذلك واحات فقد كانوا ينهجون نظام التقشف في حياتهم اليومية ويطبقون مبدأ الاكتفاء الذاتي. وظلت النخلة محور اقتصادهم، منها يتقوتون وبعناصرها يتخذون سقوف بيوتهم، ويصنعون أثاثهم وأوانيهم وفي ظلالها يستريحون من تعب الكدّ وحرارة الطقس صيفا، وتحتها يزرعون بعض البقول والفواكه. إلا أن ذلك لم يكن بالأمر الصالحة للزراعة كانت ضيّقة، والرياح الموسمية لم تكن الحين. فالاراضي لتسهل مهنة الفلاح، وفوق كلّ ذلك مشكل ندرة المياه. إنّ الأمطار لا تترل بصفة منتظمة، فقد تتعاقب السنون ولا تجود السّماء بقطرة ماء. وقد تتهاطل الأمطار. كالطوفان في دقائق معدودة، فتحمل الأودية بغزارة وتجرف معها التربة الصالحة والأشجار والمحاصيل، إذا لم تكن هذه عرضة لإبادة البرد.

انكب بنو مزاب لإحياء واديهم، على حفر الآبار، بعزيمتهم الصادقة، وصبرهم الدؤوب، فحفروا نحوا من ثلاثة آلاف بئر يتجاوز عمق الكثير منها ثمانين

ذراعا، وأحدثوا حول هذه الآبار حدائق النخيل يتجاوز عدده مائتي ألف نخلة. يتم نزح الماء من البئر بوادي مزاب بواسطة الجمل أو الحمار أو البغل، الذي يجذب الدلو بواسطة حبلين يمران على بكرتين، وذلك باتباع درب مائل يخفف عليه مشقة الجذب. عند إفراغ الدلو في الحوض تعود الدّابة في اتجاه البئر لتتكرّر العملية. يرافق الفلاح الحيوان ذهابا وإيابا، لحثه على السير ومساعدته في الجذب وتفريغ حمولة الدلو في الوقت المناسب. هذه الحمولة تتراوح بين عشرين وثلاثين لترا، ومعدل النزح مرتان في الدقيقة الواحدة. لا يؤنس الفلاح إلا موسيقى ثنائي البكرتين أو ما يكرّره من آيات القرآن.

41

تاريخ بني مزاب وقد يعمد صاحب أرض بيضاء بما بئر إلى استغلالها بواسطة أجير.

فهذا اتفاق للمجلس الأعلى لوادي مزاب صادر في ذي القعدة من عام 1247 هـ / 1832 م يحدّد قانون هذه المعاملة: «اتفق مجلس واد مزاب طلبة وعوام لدى مجلس الشيخ باعبد الرحمن الكرتي على مغارسة النخيل. من كانت له أرض بيضاء ولها خطارة (أي بئر) وأراد غرسها غير رب الملك فشروطهما على ما اتفق عليه رب الملك والغارس واتفق المجلس على المدة التي يكون قسمهما فإنّ المدة اثنتا عشرة سنة يحلّ بينهما القسم. وإن نقضا شروطهما فإنّ أصحاب المعرفة ينظرون من هو ناقض على صاحبه ويفصلون بينهما بغير المدة المذكورة … فإن نقض رب الملك فالأجير له أجرته كاملة فإنّ

على شرطهما الأوّل، وإن كان الأجير لا يقدر على القيام بما غرسه أرباب المعرفة يقدرون له أجرة ما خدم ويخرج من أمر المغارسة وإذا هي الخطارة فسدت أو قل ماؤها فلربها أن يصلح ما فسد أو يزيد في حفرها حتى أن تسوى مع حومتها. فإن دخل بينهما جاسوس في شراء حق واحد منهما، فإن وقع بيع من واحد من الفريقين ولم يرض الآخر بالبيغ فالبيع لا يثبت إلا بمدة الشرط. وأمّا مواعين الخطارة إن فسدت فإصلاحها على الأوّل، والسواقي إن فسدت فإصلاحها على الأجير. وأما الجذور إن

فسدت فإصلاحها بينهما على ما اشترطا عليه في القسمة».

غالبا ما نجد شركاء متعدّدين لبئر واحدة يتم تقسيط استغلال مياهها ليلا ونهارا، فيقسّم اليوم الواحد إلى أربع وعشرين خروبة، وتشمل الخروبة ثمانية أثمان وأربعا وعشرين موزونة، والموزونة تنقسم إلى ثلاثين درهما الحصص الليلية تسمّى السّوداء وحصص النّهار البيضاء. إنّ ملكية ماء البئر مستقلة تماما ملكية الأرض، ويمكن لكلّ شريك في ماء البئر أن يبيع بعض حصـ حصصه أو كلّها أو يكري البعض منها.

عن