تاريخ بني مزاب: دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية يوسف بن بكير الحاج سعيد

تاريخ بني مزاب

الجزء ١ · صفحة ٥٢

94

-6 الفتن الداخلية: -

تاريخ بني مزاب

هناك أسباب عديدة جعلت نار الفتنة المزمنة تتقد من حين لآخر ولأدنى سبب مباشر نذكر منها:

العصبية القبلية التي يغذيها مبدأ التناصر وفكرة الدفاع عن الشرف. فالفرد الواحد قد يجرّ عشيرته أو قبيلته إلى صراع يعمّ البلدة وربّما كامل المنطقة. هذه الصراعات لم تتعد يوما هذا الإطار ولم تتطوّر إلى حرب بين قريتين يقصد منها استيلاء إحداهما على الأخرى.

- الانحطاط الثقافي عموما. غياب سلطة مادية قاهرة كالجيش النظامي أو الشرطة. - ازدواجية الصف وهو أهمها:

سكان

إنّ العشائر المزابية كانت تشكّل كتلتين: الصف الغربي والصف الشرقي. أمّا الصف الغربي فيضم أولاد عمّي عيسى والعفافرة والمذابيح من غرداية، وأولاد موسى وأولاد يدر من بني يزفن وأولاد عبد الله من سكان العطف، وبونورة وكافة سكان مليكة بما فيهم المالكية الذين أصلهم من متليلي وأولاد علاهُمْ وآل بَالة والعطاطشة من سكان القرارة.

أما الصف الشرقي فيشمل من غرداية أولاد باسليمان والنشاشبة وأولاد يونس، ومن بني يزفن أولاد عنان، ومن العطف أولاد جلمام، ومن بونورة

أولاد نوح وأولاد إسماعيل، ومن القرارة أولاد الزيت وكافة سكان بريان. هذا الانقسام إلى كتلتين ليس مقصورا على وادي مزاب، بل هو عام لجميع المناطق المجاورة. فالصف الغربي هم بنو يفرن وبنو مرين ومغراوة ومن انضم إليهم بالمجاورة أو المصاهرة أو الفكرة من زناتة الشرقية. والصف الشرقي هم من اتحدوا مع زغبة من بني بدين ومن انضمّ إليهم كذلك (1).

1 - إبراهيم مطياز تاريخ مزاب 63

95

تاريخ بني مزاب إن هذه الفتن أنهكت قوى مزاب وعاقت تقدّمها. وقد أدّت مرارا إلى نفي

عشائر، بل إلى تدمير أحياء كاملة في بعض القرى وتقسيم البعض الآخر. و لم تكن المنطقة بدعا من المناطق المجاورة. فما كان يقع في مزاب كانت تعاني منه الجهات الأخرى من الصحراء الجزائرية إن لم نقل من البلاد الإسلامية في هذا العصر المظلم.

ثمّ إنّ غالبا ما يكون السبب المباشر لاشتعال حرب أهلية، تأتي على الأخضر واليابس، تافها يخجل المرء من ذكره ذلك كان الحال مثلا في بلدة العطف التي أعيت أهلها فتنة سببها تسمية بقل من البقول المحلية بأحد اسمين تاميسًا أو تَاحْسَايْت حتى أقاموا سورا ينصف البلدة شطرين. هذا

السور وقع الاتفاق بين الطرفين على إزالته في نهاية القرن الثامن عشر. ويقال إن سبب بناء مسجد باسالم أنّ أهل البلد اجتمعوا لأمر وتفقدوا مَن تخلّف، فقال قائل منهم: «لم يبق إلا أولاد عبد الله» وقالوا: ليسوا إلا حادثين» فأبرموا أمرهم دون حضورهم، فاغتاظوا لذلك وبنوا المسجد الأعلى والصومعة (1) مجلس وادي مزاب اتخذ إجراءات وقائية وردعية عديدة للحيلولة دون اندلاع نار الفتنة في البلاد. فقد اتفق في ذي الحجة 815 هـ/1413 م «على قاتل النفس التي حرمها الله تعالى … يقتل. وإن قتل القاتل وتقوم فتنة عليه في بلاده ويهرق دماء المسلمين بسببه فإن المجلس أتفق على القاتل أن يؤدّي دية المقتول عددها اثنتا عشرة مائة ريالات فضة ويخرج من البلاد عامين … وإن وقعت فتنة في حومة من البلاد وماتت نفس و لم يعلم أهل البلد من قتلها ووجدوا الميت بغير سلاح ولا آلة في يده من أمور الفتنة، والميت من أهل البلد أو من غيرهم فعلى أهل البلد الدية إلى أهل الميت … وإن شهد أهل الفتنة على

APPA

-1 مخطوط لعمر عبد الرحمن 21