تاريخ بني مزاب
الجزء ١ · صفحة ٥٦102
7 - النهضة الفكرية:
تاريخ بني مزاب
تمتاز الفترة الأخيرة من العهد الثالث بنهضة فكرية وثقافية، قام بها عدد من العلماء المزابيين الذين اغتربوا ورحلوا بعيدا لتحصيل العلم والثقافة. فمنهم من أم جربة أو مصر، ومنهم من قصد عمان وغيرها من البلاد الإسلامية. ولما رجعوا منها انكبوا على الإرشاد والتدريس، وتخرّج على أيديهم نخبة من المشايخ، واصلوا المسيرة ونشروا العلم وانقطعوا للتأليف في مختلف الفنون، وفي
علوم الشريعة والعربية بصفة خاصة.
إذا ألقينا نظرة عامة على القرون السابقة لهذه الفترة من تاريخ وادي مزاب، وجدنا أن بني مزاب اكتفوا طوال هذه القرون بالاستهلاك الثقافي. فهم كانوا معتمدين كليا على كتب الإباضية من وراجلان وجربة وجبل نفوسة (1) وغيرها من مواطن الإباضية، وكلّما شعروا بالفراغ الثقافي طلبوا من إخوانهم أن يمدّوهم بأحد مشايخهم، سرعان ما ينطفئ نوره
والجديد في هذه الفترة اعتماد بني مزاب على أنفسهم وانتقالهم من موقف المستهلك إلى موقف المنتج في ميادين الثقافة. فهناك عدد منهم تركوا لنا تراثا عظيما من الإنجازات سواء تعلق الأمر بما نسخوا أو استنسخوا أو ألفوا أو بما أصلحوا في الميادين الاجتماعية. 8 - أعلام العهد الثالث:
أ- الشيخ حمو بن يوسف وابنه يوسف:
وفد الشيخ حمو أو يوسف إلى بي يزفن من ترت عام 784 هـ/1383 م. كان كاتبا للمجلس الأعلى لمزاب الذي كان ينعقد أيام حياته في مسجد الشيخ باعبد الرحمن الكرتي. توفي عام 811 هـ/ 1409 م وترك ولدا اسمه يوسف، خلف أباه في المشيخة بتعيين من مشايخ قصور وادي مزاب.
1 جبل نفوسة منطقة جبلية تقع جنوب غرب مدينة طرابلس بالقطر اللييبي. ونفوسة هي القبيلة البربرية التي عمرت المنطقة فعرف الجبل بما لشهرتها رغم أنه عمرته قبائل بربرية أخرى.
103
تاريخ بني مزاب ب الشيخ بابا موسى بن الفضل وفد الشيخ بَاسَة أَوْفُضَلْ إلى بني يزفن من الزيبان ونزل على الشيخ حمو
أو يوسف سنة 802 هـ / 1400 م. بعد زيارته لمشايخ عمان والبصرة ومقامه بجامع الأزهر بالقاهرة وفي جبل نفوسة، وعند رجوعه إلى بني يزفن أسس حلقة علم توفي عام 828 هـ/1425 م. من أحفاده الشيخ عمي يحيى بن صالح والقائد سليمان بن الحاج عيسى. ج- الشيخ عمي سعيد بن علي المعروف كذلك بأمي سعيد: هو الشيخ أبو عثمان سعيد بن علي بن يحيى بن يدر، ولد في قرية أجيم بجنوبي جزيرة جربة، التي يغلب على أهلها نسبة الخيري) وذلك قبل سنة 841 هـ / 1438 م. أبرز مشايخه أبو النجاة يونس بن سعيد التعاريتي. أخذ عنه في المسجد الجديد بحومة فاتو شمالي الجزيرة. في تلك الفترة، كان وادي مزاب يعاني من تردي الأوضاع الاجتماعية وانتشار الجهل والفتن ففكر أهل الرأي والصلاح في إرسال وفد إلى جربة يضم ممثلين عن القرى الخمس لاستقدام عالم من علمائها. انتخب لهم أهل الجزيرة الشيخ سعيد، فجاء إلى مزاب واستقر بغرداية، وأحيا الوادي بتكوينه نهضة دينية علمية استلزمت توسيع مسجد غرداية ليتسع الجموع الطلبة الجالسين إليه. كما جدد نظام الحلقة التي أسسها الشيخ أبو عبد الله محمّد بن بكر
بإحداث هيئة إرْوَان وتخصيص مقر لها بجوار المسجد، وتزويده بمكتبة. أشهر تلاميذه صديقه الشيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعيل وابنه صالح. من جهة أخرى فقد عمل الشيخ عمي سعيد على إخماد نار الفتن بين العشائر وبين القرى، فانتشر الأمن في الربوع. يقال إنه هو الذي أنشأ مجلس