تاريخ بني مزاب: دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية يوسف بن بكير الحاج سعيد

تاريخ بني مزاب

الجزء ١ · صفحة ٦٥

- 120

تاريخ بني مزاب

أوّل ما يقوم به المنشئون بعد اختيار الموقع تعيين مكان إقامة المسجد،

من

وتحديد رقعة المدينة بتخطيط سورها. في القديم غالبا ما كان السور يتكوّن ظهور منازل لا تفتح أبوابها إلا إلى الداخل. أما في الامتدادات الأخيرة للمدن المزابية أصبح بعضها يتمتّع بأسوار مستقلة عن المنازل، بينها وبين هذه الأسوار شارع عريض. ذلك هو الحال بالنسبة إلى بني يزفن التي يبلغ طول آخر أسوارها 2500 مترا وارتفاعه حوالي ثلاثة أمتار، تتخلّله خمسة أبواب وأبراج متفاوتة الأهمية، أشهرها البرج المنسوب إلى الشيخ بالحاج المدفون قريبا منه. هذا البرج يعلو المدينة، وارتفاعه حوالي أربعة عشر مترا ويتألف من خمسة طوابق، يستند إلى دعامتين تسمّى الواحدة منها بالمزابية بوليلاً.

يراعى في مساجد مزاب البساطة والتقشف والابتعاد عن كلّ ما قد يشغل المصلّي عن الخشوع في عبادته. حتى المحراب فإنّه خال من كلّ زخرفة. على الركن الشمالي للمسجد تنتصب المئذنة على شكل هرمي مقطوع

ا تھا

ذي قاعدة مربعة على سبيل المثال فإن مئذنة غرداية بها 122 درجة، علوها اثنان وعشرون مترا عرض قاعدتها ستة أمتار وعرض أعلاها متران. سمك جدرانها يتناقص من متر واحد إلى ثلاثين سنتيمترا.

بجانب المسجد الميضأة ومحاضر تعليم الصبيان وفوقه المخازن والسطح

ومقر اجتماعات العزابة الذي يسمّى تامنايت.

حول المسجد الذي يتوسط المدينة تنتشر المساكن متشابهة في الشكل، متلاصقة، بحيث يصعب عليك أن تفرّق بين مترل غني ومتزل فقير. أمّا الأزقة فهي عادة ذات ثلاثة أذرع، عرضا روعي في عرضها أقلّ ما يكفي لتلاقي دابتين ولتمرير جنازة، كما روعي في تخطيطها مقاومة الرياح، والتقليل من مدة إشعاع الشمس أيام الحرارة والاعتدال في انحدارها بحيث يتمكن السكان من استعمال الدواب للتنقل والنقل.

121

تاريخ بني مزاب كما نلاحظ تسقيف بعض الطرقات لأهداف دفاعية، منها أن العدو الراكب، إذا تمكن من دخول المدينة، فإنّه لا يستطيع الوصول إلى المسجد، قلبها ومقر القيادة فيها ومستودع الذخيرة والمؤن، إلا بصعوبة. كما أنّ بواسطة هذه التسقيفات يمكن لأهل المدينة التنقل على السطوح من حي إلى حي دون اللجوء إلى الأزقة.

وربّما كان الداعي لهذه التسقيفات الحصول على المزيد من الظلّ صيفا والوقاية من الرياح والزوابع الرملية. وهناك شوارع أكثر عرضا من غيرها مزودة بمقاعد مبنية كانت في

القديم أسواقا للمدينة. ومن أوّل ما تتجه إليه عزيمة المنشئين للمدينة حفر البئر العمومية التي بدونها لا يمكن تصوّر الحياة. ثم تتلو هذه البئر آبار أخرى كلّما امتد العمران. وليست عملية الحفر هذه بسهلة، إذ تتمّ في الصخر وعلى عمق قد يزيد على سبعين مترا وبالوسائل القديمة.

أما السوق فقد زادت مساحتها لتصبح ساحة واسعة بعد أن كانت شارعا كما تطورت وظيفتها الاجتماعية كانت أوّل الأمر مكانا لتبادل المنتجات بين أهل المدينة، وبينهم وبين قوافل البدو التي تقصد التجمعات السكانية للتجارة. ثم أصبحت بعد ذلك تؤدّي وظيفة اجتماعية أساسية، إذ هي المكان العمومي الوحيد بعد المسجد، الذي يمكن لأهل البلدة أن يجتمعوا فيه ويتبادلوا الأخبار، ويتفقدوا أحوالهم يوميا، ويستريحوا من تعب العمل، بالإضافة إلى ممارستهم للبيع والشراء. فإذا كانت سوق بني يزفن غير منتظمة الشكل تحيط بها مقاعد مبنية، فإنّ سوق غرداية مستطيلة تحيط بها ثمان وتسعون قوسا متفاوتة الأبعاد، طولها خمسة وسبعون مترا وعرضها أربعة وأربعون مترا.