الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٢٧الوقف الجربي في مصر
الجميع، وأصبحت الهجرة طبيعية تكون فردية ومؤقتة وقصيرة الأمد عادة، و، وقد تطول مدتها إن كانت رغبة في طلب العلم والمجاورة بأحد الجوامع، أو بقصد الحج والمرابطة بالثغور. وكان بعض العلماء يرغب في أن يقدّس يزور القدس) أو يخلّل (يزور الخليل)، وقد رصدت أموال الأوقاف لمديد العون للطلاب الغرباء حتى يحفظوا ماء الوجه ويصانوا عما يزري بالمروءة، وقد شكلت الرحلة إلى المشرق - بلد النور والعلم والإشراق - ديدن العلماء والتجار والطلاب والحجاج في ذلك العهد، وزهدوا في المغرب بلد الغروب والظلام، وعلم الجربيون أن السفر نصف العلم، وأن الذي يعيش يرى كثيرا؛ لكن الذي يسافر يرى أكثر، وأن المرتحل يتعلم من مدرسة الحياة لا من الكتب فقط، فسافروا وتغربوا وغنموا. وكأنهم لبوا نداء الشاعر حيث قال:
ما في المقام لذي عقل وذي أدب من راحة، فدع الأوطان واغترب إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب والأسد لولا فراق الأرض ما افترست والقوس لولا فراق القوس لم يصب والتبر كالترب ملقى في أماكنه والعود في أرضه نوع من الحطب فإن تغرب هذا عزّ مطلبه وإن تغرب ذاك كان كالذهب (1)
أما الوقف عند الجربيين فقد تسابق إلى إنجازه التجار والعلماء طلبا للثواب، ورغبة في نفع الأمة في جزيرتهم وخارجها. وقد سبقت الإشارة إلى توفير دار جماعة في أغلب المدن التي يستقر بها الجربيون في تونس، وتحبيس أراض وعقارات عديدة على المساجد بجربة واستغلال ريعها لصيانة بيوت الله، وتدريس القرآن لأبناء المسلمين، وإكرام المؤدبين والطلاب، ومساعدة الفقراء والمحتاجين بمواد عينية ونقدية، ولم يتخل الجربيون عن هذه الخصلة في مهاجرهم؛ بل شعروا بضرورتها لجمع شمل الجالية، وتقديم الخدمات التعليمية والصحية لأفرادها والتكافل الاجتماعي، ومد يد العون للمحتاجين، وتخفيف آلام الغربة على المهاجرين.
مصر
وتؤكد سجلات المحاكم الشرعية ووثائق الحجج الوقفية على تنافس الجربيين في وقف أموالهم على وجوه البر في بعد أن كانت لهم أوقاف بجربة، واعتادوا مع نظام العزابة على هذه السنة المتأصلة لدى أسلافهم. فقد ظهرت (الخلوة» كمؤسسة تعليمية تعنى بالقرآن بناء ملحق بالمسجد مخصص لاستقبال الأطفال وتعليمهم كتاب الله، يوقف
وعلومه
وهي ب
(1) محمد بن إدريس الشافعي: ديوان الشافعي، تحقيق عبد المنعم الخفاجي عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1410 هـ / 1990 م، ص 81.
الفصل الأول: الوقف في الإسلام ولدى الإباضيين والجربيين
عليها الأغنياء بعض الأراضي لينفق ريعها على المؤدب والطلاب، لذلك سعدت الجزيرة بأبنائها البررة من واقفين ومضحين بأوقاتهم، وأموالهم واستحسنوا عادة الوقف، فحافظوا عليها في حلهم وترحالهم.
إنهم منحدرون من شجرة مباركة فكانوا فروعا مثقلة بالثمار، لقد استمرت بعثات الطلبة إلى مختلف المدن وبعد أن تعب الطلاب من اكتراء الشقق فكرت هيئات العزابة المشرفة على أوقاف الإباضية في شراء دور توقف عليهم ليتفرغوا للدراسة، وبفضل هذا النظام حافظ الجربيون على أبنائهم أينما استقروا؛ حيث يتوافر المسجد والسكن والمدرسة والاكتفاء الذاتي من المؤونة الضرورية، فيصرف الطلاب جهودهم إلى التحصيل والمذاكرة والاجتهاد في طلب العلم النافع، لقد جاب الجربي منطقة المغرب ووصل القاهرة يستمع إلى حلقات العلم، ويتغذى معرفيا ويقيم في دار الجماعة، فلا ينسى أداء ما عليه نحو تلك الجالية التي احتضنته في غربته، وأنفقت عليه بسخاء عند حاجته.
- 47 -
- {7 -