الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٢٩

الوقف الجربي في مصر

تمهيد

بدأ وصول الجربيين إلى القاهرة بصفة فردية، واستقرارهم بها في أول القرن العاشر الهجري، وقبل تأسيس الوكالة، ثم نشطت الرحلة إلى المشرق لأداء الحج، وللتجارة وللدراسة، فكثر عدد الجربيين وطاب لبعضهم المقام بمصر فجلب أسرته، ولم تكن إجراءات السفر معقدة، فقد خرج ابن بطوطة من طنجة، وجال في البلاد الإسلامية شرقا وغربا ولم يوقفه أحد ليسأله: هل معك تصريح وإذن بالدخول؟.

وفي آخر هذا القرن وفد عميد أسرة البحار الشيخ عبد العزيز بن منصور البحار المغربي الجربي على القاهرة، ومارس تجارة الغلال وحقق نجاحا باهرا شجعه على الاستقرار بأسرته، ثم فكر مع أفراد الجالية الجربية في اتخاذ مقر يجتمعون فيه، وتطوع بأن يوقف محلا لذلك الغرض، وفي القرن الحادي عشر نما عدد الجربيين وتسامع الناس في الجزيرة بأخبار النشاط التجاري في القاهرة وبالحركة العلمية في الجامع الأزهر، فتسابقوا إلى اللحاق بمصر، وأصبح المحل لا يتسع للحضور فسارع الواقف الثاني إلى التوسعة في الريع والموضع، وانتظم أمر الوقف بتشكيل هيئة تشرف على تسيير شؤونه من نظارة وتدريس وسكن ومكتبة، وتماشيا القانون العثماني وثق الجربيون معاملتهم بالديوان العالي، واستخرج الواقف حجة وقف وكالة الجاموس لتصبح ذات صفة رسمية، وسوف يعرف هذا الفصل في مبحث أول بنشأة الوكالة مع واقفها الأول البحار، ثم في عهد الواقف الثاني الجملي، ويحدد مكانها وأهداف الوقف، ويعرض في مبحث ثان إلى هيئات الوكالة من نظار ومدرسين ومكتبة وسكن، ويورد في مبحث ثالث نص وثيقة وقف الوكالة، ثم يحللها بصورة مختصرة ولكن غير

مع

مخلة.

الفصل الثاني: وكالة الجاموس النشأة والتطور، ووثيقة الوقف مصدرا

المبحث الأول: نشأة وكالة الجاموس

منذ استقرار الجالية الإباضية التونسية الجربية والجريدية بمصر، لم تنقطع الرحلة لطلب العلم سواء على المستوى الفردي وغير المنظم، أو من خلال بعثات موفدة من قبل نظام العزابة (1) في مختلف مواطن الإباضية جزيرة جربة، وادي ميزاب، جبل نفوسة)، من القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، إلى القرن الرابع عشر الهجري / العشرين الميلادي. فبعد مشاركة الإباضية في جيش القائد صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس برا وبحرا، كما أشار الباحثون (محمد بن يوسف أطفيش، وسليمان بن داود بن يوسف، ومحمد ناصر (2))، وإثر تولي المماليك الحكم في مصر تواصلت الرحلات للحج وللمجاورة بالحجاز، والمشرق، والتجارة مع الشام ومصر، وتذكر المصادر أسماء بعض الرواد الذين طلبوا العلم بمصر، وأقاموا بها مدة طويلة، ثم عادوا إلى جربة ليشاركوا في إصلاح مجتمعهم وتوجيهه، أمثال الشيخ سعيد بن عبد الله الجادوي، والشيخ سليمان بن عبد الله المداني، والشيخ أبي القاسم اليديسي، والشيخ أبي زيد عبد الرحمن بن أحمد الحيلاتي)

(3)

كما تعزز الوجود الإباضي بمصر قبل تكوين وكالة الجاموس بوصول عدد من التجار يسترزقون، وآثر بعضهم اصطحاب أسرهم الجربية إلى مصر المحروسة بغرض الإقامة وممارسة التجارة، وذلك في نهاية القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي، وأوائل القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي. ومن أوائل التجار المغادرين لجزيرة

جربة، والذين وفدوا إلى القاهرة واستقروا مع عائلاتهم في محيط سوق طولون المطلب الأول: الواقف الأول: الحاج عبد العزيز بن منصور البحار يعد الحاج عبد العزيز بن منصور بن عبد العزيز البحار عميد الأسرة القادمة من قرية آجيم بجزيرة جربة التي تتابع وصول أفرادها في القرن الحادي عشر الهجري، فقد ورد في وثيقة مؤرخة في 1036 هـ / 1626 م) أن أحد التجار المغاربة من أسرة البحار يستثمر رأسماله في تجارة الغلال وقد رهن مركبا نظير قرض. (4) ولم يكن هذا التاجر سوى الحاج عبد العزيز بن منصور البحار الذي أسس الوكالة فكانت تعرف في عهده بوكالة البحار، ثم اشتهرت بوكالة الجاموس طيلة القرن الحادي عشر الهجري.

(1) سبق التعريف بنظام العزابة.

(2) محاضرة سليمان بن داود بن يوسف في مؤتمر حول تاريخ جربة أفريل 1982 م ص 237، من كتاب حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي، مطبعة أبو داود، مارس 1993 م. (3) انظر تراجمهم فيما يلي ص: 69 وما بعدها.

(1) وثيقة رقم 33، أرشيف الشهر العقاري بالقاهرة، محكمة طولون، سجل،196، ص 11، مادة 23، بتاريخ 1036 هـ

-01 -