الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٦٨

الوقف الجربي في م

تمهيد

تعتبر هذه المؤسسات الوقفية (المسجد الكتاب المدرسة، المكتبات الزاوية، الرباط، البيمارستان مراكز للتنمية الثقافية

فالمساجد والجوامع تسابق الواقفون على بنائها، وتجهيزها، وصيانتها، وانطلق منها الإشعاع الفكري والمعرفي في طول البلاد وعرضها ومثل الأزهر الشريف نموذج (الجامع الجامعة) الذي يؤمه طلاب من مختلف الأقطار، ويحصلون على السكن والمؤونة مجانا كما تتوافر لهم خزانات الكتب المخطوطة والمطبوعة، كما أنشأت الأوقاف مدارس وكتاتيب لتعليم القرآن الكريم، ومكتبات حافلة، وأعطت الطلاب منحا مجزية فأقبلوا على الدرس والتحصيل وتوزعوا في الإجازات في بلدانهم يعلمون الأهالي ما تلقوه في الحلقات، فانتشرت الثقافة في كل المستويات، وقامت الزاوية بتأمين الجانب الروحي لمرتادها، يخلص للعبادة ويحصل الأدب النافع والعلم الغزير، وفي المغرب تؤدي الزاوية مهام متعددة، كالتعليم وإيواء الطلاب الغرباء، وحلقة للذكر ومكان تجمع لتقبل تهاني الأفراح أو التعازي ومأوى للوافدين والذاهبين للحج، وهي بمنزلة الفندق في عصرنا: تقدم وجبة الأكل والسكن؛ لكنها مفتوحة للجميع ولأي فترة وبدون حجز مسبق ولا دفع لمصاريف م). بينما تكفّل الرباط بتدريب أفراده عسكريا بعد تربيتهم دينيا وتأهيلهم علميا، ورسوم" فيتولون حراسة الثغور وتعليم من يفد عليهم، مع المواظبة على الأذكار وحسب ترتيب الشيخ (2).

(2)

أما البيمارستان فبجانب الخدمات الصحية التي يقدمها فقد جعل منه الواقف مؤسسة علمية للطب والصيدلة، والتثقيف الصحي، وقد راهن الواقفون على التنمية الثقافية؛ لأنها، وتتحقق للمدرّس استقلاليته فلا يخضع إلا لسلطان الشريعة، ويحافظ الأمة ترفع مستوى | على عديد من القيم الإسلامية، وبرعاية مؤسسة الوقف لهذه المراكز يسرت العلم للراغب فيه دون نفقة، وشجعت على نسخ المخطوط وصيانته، وعممت الثقافة في القرية والمدينة، وضمنت صرف الرواتب للمدرسين والمرابطين حتى يستمر عطاؤهم متدفقا مدرارا. فما دور الوكالة في إعداد الجربيين وباقي إباضية المغرب فكريا وتربيتهم خلقيا؟ وما مظاهر التنمية الثقافية التي حققتها بين أفراد الجالية؟.

(1) مصطفى عمر التير: البناء المؤسسي للوقف في بلدان المغرب العربي، ندوة نظام الوقف والمجتمع المدني في الوطن العربي، بيروت، 8 إلى 11 أكتوبر 2001، بيروت، ط 1، 2003، ص 513. (2) منير سعد الدين: الزوايا والخوانق الصوفية والمكتبات في التراث مجلة التراث العربي السنة 11 العدد 41، ربيع الثاني 1411 هـ / أكتوبر 1990 م، ص 120

الفصل الرابع: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الثقافية

لقد كانت مصر معبرا للحجاج القادمين من غرب إفريقيا ووسطها وشمالها، وطالما انتهز هؤلاء فرصة أداء الفريضة؛ ليحطوا الرحال بمصر لفترة تطول وتقصر حسب الإمكانية المتاحة، يغترفون خلالها العلم والمعرفة من الأزهر، ويتعرفون على معالم الحضارة الإسلامية بالقاهرة. وكان الطلبة الإباضية الذين سكنوا وكالة الجاموس بحي طولون حريصين على الرحلة إلى مصر، ويفتخرون بالاستماع إلى علمائها، ونيل إجازات شيوخها، وقد وجدوا المقام الآمن والمستقر الطيب، كما أن عامة المغاربة يحترمون من تعلم بالمشرق، وخاصة إذا ارتدى لباسهم وتكلم بلهجتهم، فإن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم) (). وظلت الرحلة إلى القاهرة المحروسة مستمرة وغدت رافدا خصبا من روافد تكوين الثقافة؛ إذ تتحدث كتب الرحلات عن الدين والعلم والخلق، وفيها أدب وتاريخ وشعر، يسجل فيها الرحالة ما رآه ببصره وبصيرته، ويجليه للقارئ حتى. كأنه يجتاز معه المراحل ويجوب الشوارع، ويقطع الطرق، ويدخل معه المكتبة ويتصفح الكتب، فيستمتع

ويستفيد.

وقد أسس نظام العزابة في مواطن الإباضية بالمغرب (جربة ووادي ميزاب وجبل نفوسة) مدارس تعليمية دأبت على أداء رسالتها التربوية بإخلاص الشيوخ، وغطت أنشطتها بأموال الأغنياء، فتدفق المال من مصادر عدة:

1 - غلال الحبس والأوقاف التابعة لمجلس العزابة.

2 - عطايا تقدمها القبائل للطلبة أموال مزاتة). تبرعات الأغنياء في حياتهم، وما يوصون به بعد وفاتهم من أ الثلث الذي لهم من

أراض وغيرها.

4 - أموال خاصة بالشيوخ الأغنياء ينفقونها على طلبتهم.

ه - مساعدة الطلاب الأغنياء لزملائهم الفقراء بأموال نقدية أو عينية (التمر، الزبيب، الزيت تحفظ في مطامير لتنفق عند الحاجة. (2) واستفاد الجربيون بمصر من تجربة العزابة بالمغرب فأسسوا مدرسة ووقفوا عليها

(1) عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، ج 1، ص 541 (2) عبد الرحمن حجازي التربية الإسلامية في القيروان في القرون الهجرية الثلاثة الأولى المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط 1، 1415 هـ / 1995 م، ص 426.

- 129 -

- 128 -