الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٦٩

الوقف الجربي في مصر

أموالهم، فصمدت وأثمرت أجيالا صالحة. قال الشيخ أبو اليقظان إبراهيم: «وعلى هذا الحبس القديم كانت تعتمد الأمة الإباضية في مقاومة الجهل ومحاربة الأمية، ونشر الدين الإسلامي، وبث العلوم بين طبقات الشعب، وتربية العامة تربية أخلاقية اجتماعية، وعلى ريع تلك الأوقاف كان يعتمد بالخصوص في النفقات على الأيتام، والفقراء الذين يطلبون العلم ولا معين لهم إلا الله، وبتلك الأوقاف كان يحفظ القرآن كل سنة عدد كبير من أبناء

الأمة» (1).

لقد كان الوقف في حياة الأمة مؤثرا وإيجابيا في مجال التعليم الذي عرف نموا وتطورا مستمرا فقد أمن للمدارس الاكتفاء المالي، وقد شبه الدكتور حجازي الوقف الخير بالرواسي (السفن) الملموسة في أبعاد ثلاثة الثبات، والضابطية، والتفاعلية المجتمعية.

ففي الثبات كان للوقف دور تثبيتي للخير دارئ للشر، يؤمن موارد ثابتة، لتحقيق تبليغ الدعوة وإنفاذه وتجويزه العقبات والمفاوز.

وفي الضابطية تنضبط الوقفية بضوابط تبدأ من الفكرة ومشروعيتها، ثم بالجهة المعنية بتسجيل وتوثيق الوقفية، ثم بتنفيذها والمكلفين بذلك التنفيذ، وتفترق عن العمل الخيري المجرد من الضبط والتوثيق. وفي التفاعلية المجتمعية: يكمن هذا البعد وراء دافع وخلفية كل واقف على حدة. (2)

(1) إبراهيم أبو اليقظان: افتتاحية مجلة البصائر، 29 شوال 1372 هـ ص 1.

(2) عبد الرحمن حجازي: تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي من القرن الأول حتى القرن العاشر، المكتبة العصرية، صيدا بيروت، ط 1، 1421 هـ / 2000 م، ص 236.

الفصل الرابع: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الثقافية

المبحث الأول

الحلقات الدراسية والقرآنية

لما استقر الجربيون بمصر حرصوا على تعليم أبنائهم كتاب الله العزيز، وكأنهم اطلعوا على نصيحة عقبة بن عامر الجهني لما أشرف على الموت وهو بمصر حيث جمع بنيه وأوصاهم فقال: «أنهاكم» عن ثلاث فاحتفظوا بهن: لا تقبلوا الحديث عن رسول الله إلا من ثقة، ولا تستدينوا ولو لبستم العباء كساء مفتوح من الأمام)، ولا تكتبوا شعرا فتشغلوا به قلوبكم عن القرآن» (1). وقد ورد في بعض الآثار أن الصبيان يلازمون الشيوخ في (الكتاب) بالوكالة، وفي الذهاب للسباحة بالنيل").

كما أكدت وثيقة وقف الوكالة أن مستحقي الربع هم السادة الطلبة المغاربة الحفظة لكتاب الله، وقد أوصى الواقف بختم القرآن في كل ليلتين من شهر رمضان. مما يؤكد قيام ساكني الوكالة بتلاوة القرآن والمواظبة على تعلمه، وتعليمه لأبنائهم في غربتهم، وفي طلب الجربيين الرزق في بلاد بعيدة وإن لم يغنموا مالا كثيرا، فسيغنمون عقلا كبيرا. ولئن خرج الآباء بحثا عن عمل وعيش أرغد، فإن الأبناء أحبوا طلب العلم والاستزادة منه، وكان أول ما يتعلمه الطالب القرآن الكريم. بالرجوع إلى تراجم علماء جربة الذين درسوا في مصر يجد الباحث أسماء عدد محدد في القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي، ويظفر بمعلومات شحيحة عن نشاطهم في مرحلة التلقي، وعن توليهم التدريس في فترة تالية، سواء بالوكالة أم بالأزهر الشريف. والعلماء الذين اغتربوا ورحلوا بعيدا لتحصيل العلم والثقافة استفادوا، ثم قاموا بنهضة فكرية لما عادوا إلى بلدانهم، فانكبوا على التدريس، وتخرج على أيديهم نخبة واصلت المسيرة، ونشرت العلم، وانقطعت للتأليف فعم نفعها. وقد سبقت الترجمة لعلماء هذه الفترة، ممن رحل إلى مصر لطلب العلم، كالجادوي والمداني واليديسي، قبل إنشاء الوكالة، والحيلاتي والسدو يكشي والقصبي بعدها.

منهم.

و بانتشار المدارس منذ عهد الأيوبيين وحتى القرن العاشر الهجري انتظمت حلقات الدراسة بالأزهر، وجذبت هذه الحركة العلمية المزدهرة أهل المغرب، مع ما صحب ذلك من تسهيلات ومزايا اجتماعية منحت للطلبة المغاربة كالرواق الخاص بهم، ومن أوائل من تسعف المصادر بالإشارة إلى ارتحاله إلى مصر للدراسة بها والاستقرار بوكالة الجاموس (1) محمد صادق عرجون عثمان بن عفان، م. س، ص 344 (2) علي بن بيان ترجمة المحشي (مخطوط بحوزتي كله).

- 131 -

- 130 -