الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٧٥

الوقف الجربي في مصر

عضده الأيمن، واهتم بمؤلفات أستاذه فرتب حواشيه وجمع متفرقها وطابق بين نسخها وموادها الأصلية، وبذل جهودا جبارة للحفاظ عليها ولولا اهتمامه بجمعها لضاعت وحرم الناس من مكنونات علومها وكنوز معارفها.

وكان الشيخ علي نساخا ماهرا جميل الخط لا يجد كتابا للإباضية إلا نسخه، وتزخر مكتبات جربة ووادي ميزاب بمنسوخاته لكتب قيمة ومنتقاة. استقر في الوكالة طالبا جادا ومستمعا واعيا يقضي معظم أوقاته في نسخ كتب شيخه، ويجمع ما يقع تحت يده من مصنفات الشيوخ الجربيين بمصر، ويعود إليه الفضل في جمع الحواشي الثلاث على كتاب شرح الجهالات لكل من العلماء محمد بن عمر بن أبي ستة، وسليمان بن أحمد بن أبي ستة، وأبي زيد بن أحمد بن أبي ستة، ولم يكتف بالنسخ بل كانت له تصانيف نثرا وشعرا كلها مخطوطة، بعضها موجود وبعضها مفقود، من أهم مصنفاته:

أ - رسالة في التوحيد نسبها إليه الشيخ سعيد بن تعاريت الجربي، وقد علق عليها شيخه المحشي.

ب - رسالة قيد فيها بعض حوادث جربة وأحوالها، وما وقع فيها منذ النصف الثاني للقرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي إلى تمام سنة .. 110 هـ / 1689 م

وهي مفقودة.

ت - أسئلة كثيرة وجهت إلى شيخه المحشي مرفقة بالأجوبة ث - أشعار ومنظومات منها مرثية سينية لشيخه المحشي.

ج - فتاوى تتعلق بالأوقاف والمساجد توجد منها نسخة بمكتبة آل يدر بين يسجن

غرداية.

ح - محضر اجتماع علمي انعقد بلالوت سنة 1103 هـ / 1692 م للنظر في قضية

شهادة الإباضية.

توفي أبو الحسن علي بن بيان سنة 1120 هـ / 1708 م وقبره موجود بقرية بازيم بجربة. (1) ونشط في نسخ المخطوطات ومساعدة الشيوخ في الحلقات التدريسية في هذه الفترة.

(1) سليمان الحيلاتي: علماء جربة، م. س ص 96. وانظر: سعيد بن تعاريت رسالة في تراجم علماء جزيرة جربة (مخطوط

بحوزتي)، ص 59.

الفصل الرابع: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الثقافية

9 - الشيخ يحيى بن صالح الأفضلي الميزابي: تصدر مجالس العلم في ميزاب) ولد أبو زكرياء سنة 1126 هـ / 1714 م في قرية بن يسجن من وادي ميزاب، ونشأ

بين أسرة متدينة تنحدر من الشيخ موسى بن فضل المعروف بـ (باسة وافضل، ت 828 هـ / 1425 م). طلب العلم أولا في مسقط رأسه بين يسجن، ثم رحل إلى جربة في آخر النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي فتلقى العلم على عدد من المشايخ، ثم تفرغ لحلقة الشيخ يوسف بن محمد المصعبي المستقر بجربة.

وقد بقي يتعلم في جربة اثنتي عشرة سنة كان في البداية متكاسلا لكن رؤيته لنملة تصر على الصعود رافعة لنواة فتفشل ثم تكرر ذلك حتى يتحقق هدفها، جعلته يقرر بذل أقصى الجهد ويتفرغ للعلم دون التفات لأي شيء، فقد وصلته رسائل من أهله فكان لا يقرأها؛ بل يتركها في فتحة بحجرته ويسد الفتحة كي لا تحدثه نفسه بالاطلاع عليها، ولما أكمل دراسته قرأها فإذا بها من الأخبار السيئة ما لو كان فتحها عند استلامه لها لانقطع مباشرة عن الدراسة وقفل راجعا إلى بلده. ثم انتقل بعد جربة إلى مصر حيث ترصد المصادر توافد عدد من الطلاب الجربيين والميزابيين على المدرسة الإباضية بوكالة الجاموس العامرة فاستقر بها، وواظب على متابعة دروسها، كما تابع بعض حلقات الدرس بالجامع الأزهر والتزم خاصة بحضور دروس شيخه عمرو بن رمضان التلاتي، ومدحه بقصيدة تشيد بعلمه، ولم يكتف الشيخ يحيى بطلب العلم بل اعتنى باستنساخ نفائس المخطوطات – رغم رداءة خطه - واستطاع أن ينسخ عددا كبيرا، عاد بها إلى بلده لتكون نواة لمكتبة آل افضل الزاخرة بالمخطوطات الهامة، وكانت الوكالة بالنسبة لبعض الطلاب محطة تزودوا فيها بالعلم النافع، واستفادوا من نسخ الكثير من المخطوطات النادرة، ولكن دورهم في الإشعاع بدأ مع رجوعهم إلى بلدانهم. وهو ما حصل للشيخ يحيى، فقد عاد إلى ميزاب سنة 1157 هـ / 1744 م لينطلق في تأسيس. حركة علمية نشطة فنادى بالإصلاح ودعا وأرشد ووجه وسدّد، وحول جزءا من مسكنه إلى مدرسة يلتقي فيها بكبار الطلبة ليساعدوه في النشاط الدعوي. وقد امتد تأثيره إلى بقية قرى وادي ميزاب، وبلغ وارجلان ووادي أريغ، وأثمر جهده الصادق دفعة تخريج من أنجب الطلاب منهم ابنه موسى والشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني (صاحب متن النيل، والشيخ إبراهيم بن بيحمان، وحمو والحاج اليسجني، وأبو يعقوب يوسف بن عدون و بابه بن محمد الغرداوي. ومن إنجازاته أيضا إلى جانب تكوين الرجال بعض الشروح مثل: شرح قصائد ابن زياد العماني، شرح على قصائد من دعائم ابن النضر،

وبعض الرسائل والحواشي. كما خلف مكتبة ثرية لا تزال مركز إشعاع توارثها أحفاده.

من

- 143 -