الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٨٤

الوقف الجربي في مصر

المبحث الثالث التأليف

بعد استقرار الجربيين بمصر وكثرة الوافدين إلى القاهرة طلبا للعلم أو ممارسة للتجارة أو مرورا بها لأداء فريضة الحج ظهرت الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية في شكل فتاوى يتزود بها الحجاج والتجار، أو من خلال مصنفات موسعة لطلاب العلم، وقد تسابق المتعلمون في تدوين العلوم ونسخها.

وقد تصدى لمهمة التأليف شيوخ الوكالة عبر القرون ورغم ما عبثت به عوادي الغواشي فقد وصل من آثارهم عديد من المصنفات، ففي القرن العاشر الهجري كان للشيخ سليمان المداني الجربي - وهو عالم بيان ومنطق - من المؤلفات حاشية على المختصر شرح التلخيص، في البلاغة، وحاشية على القافية، وشرح إيساغوجي في المنطق، وحاشية على الكافية، وله غير ذلك. (1) و أما الشيخ سعيد الجادوي، فقد سبقت الإشارة إلى مصنفاته

في القرن الحادي عشر الهجري سطع نجم الشيخ محمد بن عمر بن أبي ستة (المحشي) في التأليف، فبعد أن ملأ وطابه بالعلم تفرغ للتدريس والتأليف، وكما أشار تلميذه علي بن بيان في ترجمته أنه لم يقرأ كتابا إلا ووضع عليه حاشية لذلك عرف بالمحشي، وقد ألف في مختلف الفنون ومن مؤلفاته ما سطره بمصر، وقد قضى بها عشرين سنة، ومنها ما دبجه يراعه بجربة إثر عودته من القاهرة المحروسة إلى جزيرته المأنوسة.

وفي القرن الثاني عشر الهجري خلف لنا المحشي الثاني أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي عددا من المصنفات غلب عليها ظاهرة الشرح والحاشية، لكنه جهد عظيم حيث يقارن الشارح والمحشي بين أقوال السلف ويرجح، وقد يستنبط ما لم يفطن له صاحب

المتن.

كما لمع اسم الشيخ عمرو بن رمضان التلاتي الذي قضى حياته كلها في مصر حيث قصدها طالبا صغيرا، ثم تضلع في علوم اللغة وأصول الدين، فأبدع في بعض الفنون، وتأثر بعصره في البعض الآخر، فشرح المنظومات واختصر المطولات ووضع الحواشي والردود، وأفتى في المسائل وأعطى الأجوبة الشافية.

ورغم ما يحتاجه التأليف من تفرغ وهدوء وتوافر المراجع فإن الوكالة كانت تعج

(1) بدر الدين القرافي: توشيح الديباج، م. س، ص 105.

الفصل الرابع: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الثقافية

بالطلبة النشطين ذوي الحركة الدائبة، والأسئلة المستمرة، ولم تكن خزانة الكتب مليئة بكل ما يحتاجه المؤلف، لكن علو الهمة والحرص على نفع الأمة شجع المشايخ على اقتناص أوقات يتفرغون فيها لأداء هذا الواجب الكفائي مع ما يعانونه من غربة وحاجة وأعباء وتكاليف. وفي القرن الثالث عشر الهجري يمر على الوكالة في الطريق إلى الحج الشيخ إبراهيم بيحمان صاحب التأليف العديدة، فهو شاعر يؤرخ في قصائده لأهم الأحداث، وناثر يحكي تفاصيل رحلته الحجازية وله إسهامات في التفسير معتبرة. وتبعا للحالة السياسية والاقتصادية تشهد الحالة الثقافية ركودا أو نشاطا فقد تساق الأرزاق لمن لا يدرك الخط في الأوراق، ويحرم صاحب البلاغة ولا يجد من القوت بلاغه (1). وتبقى طبقة العلماء معدودة من أعيان المجتمع رغم فترات الجزر التي يعاني فيها العالم الحرمان: مات من عاش بالفصاحة جوعا وحظي من يقود أو يتمسخر وكما قال الشاعر أبو مسلم البهلاني:

ومن سنن الله التفاضل في العطا فذو الجهل موفور وذو العلم جائع وفي القرن الرابع عشر الهجري تكثر المطابع وتمتلك الأسرة البارونية اثنتين الأولى أسسها الشيخ محمد بن يوسف الباروني والمعروفة بالمطبعة البارونية قرب جامع ابن طولون وامتد نشاطها لسنوات قام صاحبها بطبع الكثير من أمهات كتب السلف، والثانية أسسها المجاهد الشيخ سليمان باشا الباروني، ولم يمتد بها العمر، حيث طبع فيها أعداد مجلة الأسد الإسلامي، وبعض الكتب المهمة، ومن شيوخ الوكالة الذين عاشوا في تلك الفترة وتركوا لنا مصنفات هامة ومتنوعة الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني صاحب كتاب (سلم العامة والمبتدئين)، والشيخ قاسم بن سعيد الشماخي الذي أبدع كتبا وصنف ردودا، وأسس مجلة (نبراس المشارقة والمغاربة بالاشتراك مع صديقه مصطفى إسماعيل المصري. وفي القرن الرابع عشر الهجري تجدر الإشارة إلى الشيخ الناظر أبي إسحاق أطفيش الذي تحمل مسؤولية وقف الوكالة، ولم يسكنها لكنه أفاد طلابها بدروسه ومجلته (المنهاج) وكتبه العديدة (2).

(1) أحمد شلبي بن عبد الغني: أوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات الملقب بالتاريخ العيني)، تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، ط 2، 1995 م، ص 53. (2) سبقت الإشارة إلى كل ما سبق تفصيلا في المباحث السابقة.

-171 -

- 100 -