الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٨٥الوقف الجربي في مصر
المبحث الرابع
علاقة الوكالة بالأزهر الشريف وبرواق المغاربة فيه
م فقد بني جوهر
من المعروف أن الفاطميين بنوا مدينة القاهرة واتخذوها عاصمة لهم كما أسسوا الجامع الأزهر للدعاية المذهبهم الإسماعيلي بأموال ضخمة جمعوها من المغرب لما كانت دولتهم قائمة هناك منذ 297 هـ / 910 م حتى انتقالهم إلى مصر عام 362 هـ / 972. الصقلي جامع الأزهر سنة 361 هـ / 971 م وبقي خاضعا للسلطة الفاطمية ومركزا للدعوة الشيعية حتى عهد القائد صلاح الدين الأيوبي الذي قضى على الدولة الفاطمية، وأغلق الأزهر فظل مغلقا لأكثر من قرن حتى تحول في عهد المماليك إلى قلعة السنة، (1) من قلاع وتتابعت التوسعة لهذا الصرح فتحول من مسجد لإقامة الشعائر إلى جامعة يدرس فيها العلوم الدينية والعقلية مفتوحة لطلاب العلم من كل أنحاء العالم الإسلامي (2)، ورصدت له أوقاف عظيمة أنفقت على الطلاب والأساتذة وألحقت به أروقة لسكنى الطلاب تطل على
صحنه
الرواق في اللغة: المكان الذي يروق لك الجلوس فيه، وبه (إيوان) هو قاعة محاضرات في عصرنا، وكان يقيم برواق المغاربة كل طالب من أصل مغربي، وقد وقف المحسنون على بني جلدتهم أوقافا كثيرة ليعيشوا في بحبوحة بالقاهرة، فحبسوا الأطيان (3) والعقارات والطواحين، والكسوة والطعام، وجراية يومية، ومصروف يد (جيب) شهري، ومن فاته الحصول على الجراية ولم يظهر اسمه في السجلات يعتبر من الفوات)، وإذا كان ينتظر (المنتظرين)، فيجلس حتى يتخرج طالب قديم أو يسافر دون عودة أو يموت ليحل بدله أول المنتظرين. ويوفر رواق المغاربة السكن والغذاء والكساء ثلاثة أرغفة غداء وعشاء وإفطار) وكساءين (شتاء وصيف).
عد
من
و بما أن الإقامة قريبة من الحلقة فلا حاجة لمواصلات، وكذلك المكتبة متوفرة داخله. ويقع رواق المغاربة على يمين الداخل من باب المغاربة بالأزهر الشريف ويتكون الرواق من خمس عشرة بائكة (4) ترتكز عقودها على أعمدة رخامية وكان يحتوي على مساكن
(1) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، ط 4، 1981 م، ص 199. (2) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي الديني الثقافي الاجتماعي، ج 4، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط 15، 2001 م، (3) الأطيان هي الأراضي الزراعية.
ص 579.
(4) البائكة هي عمود في قمته تاج، وقوس، ويعتمد الرواق على البائكات التي تتعامد مع حائط القبلة في المسجد. انظر العمارة في الإسلام، كمال الدين سامح، ص 122
الفصل الرابع: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الثقافية
في الدور العلوي وله بواب وكاتب إلى جانب أوقاف كثيرة يصرف منها على الطلاب المجاورين من المغاربة. ويقيم الطلاب في غرف متصلة بسور الأزهر، ويفرش الرواق ويعد بجانبه محل للغسيل والوضوء والطعام، وكان يقطنه القادمون من طرابلس الغرب وتونس والجزائر والمغرب الأقصى، وتتوزع الأروقة حول صحن المسجد ولكل طائفة رواق خاص ونقيب وأوقاف يصرف من ريعها، وقد تم إنشاء الرواق منذ أواسط القرن الثامن الهجري أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، ويقوم أساسا على أوقاف الأسر المغربية التي ترددت على مصر واستقرت بها، وحرصت على تخصيص جناح للطلبة والمشايخ الذين يهتمون بدراسة الفقه المالكي الذي ظل المذهب المفضل لدى أهل المغرب.
من
وقد جدد الرواق الملك الأشرف أبو النصر قايتباي عام 881 هـ / 1477 م كما تثبت النقوش على بابه ولرواق المغاربة ذكر في كل المصادر المصرية؛ إذ يعد. أنشط الأروقة وأكثرها ثراء؛ لكثرة الأحباس المرصودة له من جانب التجار المغاربة المقيمين بمصر مثل (الشرايبي والتازي وبن شقرون ...... ويتولى نظارة أوقافه وكيل مغربي يصرف من الريع على مصالح الرواق. ويعتبر الرواق مركزا ثقافيا يعج بالحركة، فقد سكنه من العلماء والطلاب وعمر مكتبته عبد الرحمن بن خلدون فقضى فيه معظم وقته (1)، وكذلك فعل المقري صاحب نفح الطيب فقد وجدت له تعليقات وتقييدات كثيرة على بعض مخطوطات المكتبة، التي يوجد بها (8157) مجلد، والتي بقيت مثابة للعلماء وطلاب العلم على امتداد قرون، ولها أمينها ويرتادها في الأغلب مغاربة؛ لأنها تعتبر وقفا مخصصا لطلاب ليبيا، وتونس، والجزائر، ومراكش، لا يستحقه إلا مالكي المذهب".
ويعد رواق المغاربة أقدم أروقة الجامع الأزهر، وأهمها، وله شيخ يختاره المجاورون، وقد ثبتت أركانه، واستمر في أداء رسالته بفضل تدفق الأموال الموقوفة عليه، وبفضل تلك الأوقاف استمرت الصلة وثيقة بين مصر والمغرب، وازدهرت العلاقة بين الجاليات المغربية نفسها علميا وتجاريا واجتماعيا، وهو كغيره من المؤسسات التعليمية الوقفية كالمدرسة الناصرية والمدرسة القمحية ومدرسة وكالة الجاموس) قاوم الخراب قرونا (ولو لا ما يتناوله الفقهاء من المعلوم بها خربت ...... وقد أحاط بها الخراب ولو لا ما يتحصل منها الفقهاء لدثرت) (3).
(1) عبد الهادي التازي: توظيف الوقف الخدمة السياسة الخارجية في المغرب، ضمن ندوة: الوقف في العالم الإسلامي أداة سلطة اجتماعية وسياسية)، المعهد الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 1995 م، ص 36.
(2) حسين خضيري أحمد: علاقات الفاطميين في مصر بدول المغرب مكتبة مدبولي القاهرة، ط 1، 1996 م، ص 166. (3) محمد محمد أمين: الأوقاف والتعليم في مصر زمن الأيوبيين، ندوة التربية العربية الإسلامية، المؤسسات والممارسات)، مؤسسة آل البيت المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، الأردن، ج 3، ص 807.
- 163 -
- 162 -