الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٩٠

الوقف الجربي في مصر تمهيد:

يعتبر الوقف المؤسسة الأم التي أمدت الأمة بالمال لصناعة الحضارة الإسلامية، وفي ظل تلك الملحمة تعددت التجارب الوقفية وأبدعت في ميادين عديدة ومتنوعة، فقد رعت الأوقاف المساجد تأسيسا وصيانة وعمارة والمدارس إنشاء وترميما، والمكتبات إحداثا وتجهيزا بالخزائن، وتغذية بالكتب والمخطوطات، وتشجيعا على النسخ في زمن ما قبل الطباعة؛ إذ (ضمت مكتبة بالقاهرة في العصر الفاطمي من تاريخ الطبري ذي المجلدات المتعددة ألفا ومائتي نسخة إحداها بخط المؤلف» (1)، كما أقيمت الخوانق والرباطات، واتخذت الوكالات، والخانات وفتحت البيمارستانات لعلاج المرضى، ورصفت الطرق وأنشئت القناطر والجسور، وتوفرت العبارات الناقلة عبر ا الأنهار، وأقيمت أسواق التجارة ومؤسسات الصناعة والأفران والحمامات العامة والأسبلة ورصدت أموال للرعاية الاجتماعية ولتحرير الأسرى، وتجهيز الموتى، وإيواء أبناء السبيل، ورعاية النساء الناشزات وتوفير موائد الإفطار والسحور والأواني والقدور، وتزويج المحتاجين وكفالة الأيتام

والمساجين، وتطبيب الحيوانات.

إن حياة الفرد مهما طالت محدودة، وتصرفاته في ثروته بالتبرع تكسبه خلودا يتجاوز دنياه، قال عليه السلام) إنه مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علم نشره، أو ولد صالح تركه، أو مصحف ورثه، أو مسجد بناه، أو بيت لأبناء السبيل بناه، أو نهر أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته). (2) إن الحضارة التي أنشأها الوقف نهر خالد متجدد شملت الميادين الفكرية والمادية، الإنتاجية منها والخدمية، الضرورية منها والتحسينية، وكان العلماء - الذين نالوا بالوقف استقلاليتهم - هم الحراس على قيام الوقف بتمويل إقامة الدين وصنع الحضارة. (3)

لكن ككل تجربة بشرية فإن الوقف اعتراه النقص والانتكاس، فبعد أن ضرب بجذوره في الأرض وازداد عطاء، واتساعا، وإثمارا، تعرض للإهمال والضعف والاندثار. وبإخضاع التجربة للتقويم يستفاد من إيجابيات الوقف، وتتجنب سلبياته، ويتم التخطيط الجيد لبديل يحقق شرط الواقف ومصلحة الأمة. وسوف يعرض هذا الفصل قسمات الوجه الحضاري لوقف وكالة الجاموس، وويرصد أسباب تراجعه عن أداء دوره، ويتابع كيفية إحيائه بعد

(1) عبد الرحمن الجبرتي: عجائب الآثار وتراجم الأخبار، دار الجيل بيروت، د. ت. ج 2، ص 168. (2) محمد بن يزيد القزويني (ابن ماجة) السنن م. س، حديث رقم 242، ص 37.

(3) محمد عمارة، دور الوقف في النمو الاجتماعي وتلبية حاجات الأمة، ندوة (نحو دور تنموي للوقف)، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، 1 - 1993/ 5/3 م، ص 160.

الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية

اندثاره، ويبحث جواز استبداله، ويقترح البديل المناسب له مع ا

المحافظة على هدف الواقف

فيمكن: - إقامة مدرسة قرآنية تربي الأجيال على حفظ القرآن والتمسك بأحكامه، وتواظب على تلاوته وفهمه.

- إعادة بعث مكتبة وقفية تنقذ مخطوطات الوكالة وتضيف المحقق منها والمطبوع من مراجع في مختلف الفنون.

- إنجاز مشروع سكني يحل للطلبة الوافدين مشكلة الاستقرار ويساعدهم على التفرغ للعلم.

- 173 -

172 -