الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٩١

الوقف الجربي في مصر

المبحث الأول

الوجه الحضاري للوكالة

تمتعت الجالية الإباضية كغيرها من التجمعات بمصر في العهد العثماني بنشاط اجتماعي سمح للفقير بالارتزاق وللغني بكسب الأجر، بواسطة الأوقاف التي وفرت تعليما مجانيا للجميع ومنحت الطعام والكسوة والراتب الشهري، كما يسرت الحصول على الكتاب وأغنت عن السؤال والحاجة، ومهدت السكن في الأروقة، والوكالات الموقوفة، لقد كان لمؤسسة وكالة الجاموس الوقفية أثر بارز في تطوير البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لإباضية المغرب وثقت العلاقة بين أقطاره وأفراد مجتمعاته، وأرست دعائم الجاليات بالمساعدات والتبرعات، وبأرباح الأملاك الوقفية ووارداتها التي تسابق أهل الخير في تحبيسها، ولم يشترطوا سوى الاجتماع بالوكالة لتلاوة القرآن والأوراد وذكر الله في شهر رمضان وفي المناسبات الدينية؛ حيث تكون الفرصة سانحة لتداول أخبار الأهل في مواطنهم ومناقشة ما يهم أمر المجاورين بالوكالة والوافدين عليها طلابا أو تجارا أو آمين البيت العتيق للحج والاعتمار، فرأي الجماعة لا تشقى البلاد به وخمير الرأي خير من فطيره، ورب شيء غابه (ما مضى عليه الوقت خير من طريئه، وتأخيره خير من تقديمه».

(1)

وصدق جلال الدين السيوطي في أبياته المشيدة بالوقف حيث قال:

إذا مات ابن آدم ليس يجري

عليه من فعال غير عشر

علوم بنها ودعاء نجل وغرس نخل والصدقات تجري

وراثة مصحف ورباط ثغر

وحفر البئر أو إجراء نهر

وببت للغريب بناه يأوي

إليه أو بناء محل ذكـ

(2)

فأوجه البر التي تدخل الأجر إلى القبر في مجملها صدقات جارية تعود إلى المؤسسة الوقفية، وقد حقق الجربيون في وكالة الجاموس استمرار بث العلم في صدور الرجال، ودعوات الأبناء للآباء، وغرس النخل ووقفها على طلبة الوكالة في الجيزة مثلا، وأجروا الصدقات على فقراء الجالية والمصريين.

(1) أحمد معيطة: الإسلام الخوارجي، دار الحوار اللاذقية، سورية، ط 1، 2000 م، ص 252، والقول لعبد الله بن وهب الراسبي. (2) الديباج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ج 4، ص 228 وانظر فضل الله الصمد في شرح الأدب المفرد لفضل الله الجيلاني، ج 1، ص 106 و 107.

الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية

كما وقفوا العديد من المصاحف والكتب، وربوا أفراد الوكالة على الصبر والمرابطة فهم على ثغر العلم مثابرون، كما حفروا آبارا في أراضي الالتزام، ولقربهم من النيل لم يجروا نهرا، وبنوا للغرباء مأوى، وجعلوا في الوكالة مصلى لأداء الصلوات والذكر. إن الرجال صناديق مقفلة وما مفاتيحها إلا التجارب، وقد مثل علماء الوكالة نماذج للقدوة الحسنة، فكان المحشي (مثلا) تقيا ناسكا، واسع الحلم، سليم القلب، نزيه النفس واللسان والقلم، يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، وقد تحلق حوله طبقة من المتنورين الذين جمعوا إلى. العلم، طهارة النفس ونظافة اليد، وسلامة القلب فاستفادوا من بحر. علمه دررا، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ.

ويجمع

من يكتب عن تجربة الوقف الجربي وإن جاش قلبه بالمحبة والإعجاب وغلبت عليه العاطفة لا بد أن يلزم جادة الحق ويستمسك بحبل الدقة. المادة يصدق ولا يخفي العيوب، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) (2)، ولينظم العقد بخيط الحياد والمنهجية ولو كان حفيدا، محبا، وطالبا معجبا، وصديقا صدوقا، إن السلف توجهوا بإخلاص للرحمن وسألوه التوفيق في مشروعهم الوقفي فأمنوا الحرمان وبارك الله لهم في وكالتهم، والتقت صدقات الفكين (الفم) مع تبرعات الكفين (اليد). ولئن لحنوا في الكلام فقد أعربوا في الأعمال، بينما أضاع الخلف هذا الوقف الرائد، فكثر القول وقل الفعل، فعسى أن يوفق هذا الجيل لعمل الخير وخير العمل، فرب ملوم لا ذنب له - وإذا صدقت العزائم يمكن إحياء دور وقف الوكالة الثقافي والاقتصادي والاجتماعي.

ولم يذكر البحث من الشخصيات والتبرعات إلا ما قام الدليل عليه فورد اسمه في الكتب والمخطوطات أو دوّن في الوثائق والوقفيات، وكل إنسان يذكر بفعله، «ولا وصمة على من أنفق ما لديه وبذل ما في يديه» (3).

المطلب الأول: التكافل المادي والاجتماعي

إن السخاء بالمال يتجلى في البذل والوقف والعطاء للمستحق، وعلامته ترك الادخار المال، وتعاهد الإخوان به، فهدف جمع المال عند الواقف المسلم هو استعماله في تأسيس علاقات الأخوة وتوسيعها، والسخاء مراتب (فمن أعطى البعض وأمسك

وبغض جمع

(1) سورة البقرة جزء من آية 282

ص 392.

(2) عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السنن، ج 2، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1987 م، باب في التوبة، حديث رقم 2727، (3) بدر الدين القرافي: توشيح الديباج وحلية الابتهاج، م. س، ص 3.

-170 -

- IVE -