كتاب الفرقد ج 1
الجزء ١ · صفحة ٧130
12
القصور التى تناطح السحاب فمات ذليلا موت الكلاب او هي سعادة ذلك الذي يمسي ويصبح متقلبا على الحرير متكئا على اريكة سابحا في بحور سعده الى ان عثر به الزمن في اجنحة الظلام فاصبح اشلا بين اشلاء وفي خزانته ملايين من الدنانير تكفيه الفاقة وبؤساء الايتام ? ام هي سعادة ذلك الذي يمرح بين بدلة وآخرى يحمل على ظهره لباسا مزركشا وهو لا يكترث به مملوء لا يعرف للفقير معنى ولا للجوع وجها ? ام هي سعادة بشيء جيبه ذلك التاجر العظيم الذي يجلس على كرسيه امام منضدته فتتساقط عليه الدراهم والدنانير بدون تعب ولا عناء ? لا لا. ليست تلك هي السعادة التي. . . . . . . اقصدها وانما هى التى يشعر بها الانسان حينما يغوص في بحور الاستعارة والبيان والبديع والكناية والتشبيه ويحلق تارة الى سماء الخيال من الشعر والنشر ويتأمل في تلك العبارات الرائقة التي تسحر الالباب وتذهل العقول تلك الفنون الراقية الجميلة التي تكسب الانسان الادب ومكارم الاخلاق وتكون في نفسه عواطف راقية ولطيفة كالحنان والشفقة والسماحة وتلين قلمة فيصير يئن لانين مريض وينالم لصرخة فقير في الدجى ويكفكف دموعا) لثكلى تبكي وحيدها في الظلام الحالك
وكما ينتهج اما الطبيعة مقبلا من محياها تلك السمات و منتشقا من باقها تلك النسمات يطرب ويتهز حينما يدخل جنة ذات الزهور المختلفة الاشكال والالوان والروائح غصونها متماثلة مطاطاة الراس ترد السلام على المار وتجذب كل حساس يرى في هذا الكون للمناظر الطبيعية سرا عظيما اودعه جلت قدرته فيها وليس عبثا بل لذوي الاحساس اللطيف و الشعور الراقى للشاعر حينما يقف امام روضة غنا وإذا ما قربت الشمس الى الغروب ثارت قريحته الشعرية وانشد ابياتا تضرب على اوتار القلوب بنغمات ترقص منها الروح للمرة الاولى. والناثر متى مسك يراعه بين انامله وسال عواطفه عما تحدثه فتجيه ويسطر ما يعينه على تركيب جمل ظاهرها سواد في بياض
وباطنها رموز و اشارات بينه وبين الطبيعة لا تنكشف الا لارباب هذا الفن الجميل
اجل السعادة التي اعنيها هى السعادة الحقيقية لا الخيالية هي لا تفارق القلب فالمحصل عليها - اعيده - هو الذي إذا هز قلمه لا يعجز عن تسطير ما يكنه ضميرها هو الذي اذا ضاق صدره يسبك الفاظا يشفي بها غليله المحصل عليها هو الكاتب القدير الذي يبقى ما سطرته يمينه مدى الدهور والاجبال
4
نعم نعم لست اتكلام على السعادة الكاذبة التي تهددها الظروف من حين الى آخر بالزوال وهي سعادة الغني ولا يحق لي ان اسمى الغني بالسعيد لانه وان كان في اظاهر سعيدا الا انه شقى في نفس الامر والواقع لا يهنا له عيش ولا يلين له مضجع يفكر دائما في وسائل حفظ رزقه من التلاشى وصون نفسه من الاذى خلاف العالم غناه دائما معه بين جنبيه فحمله لا يثقله ينفق منه فيز كى ينام ولا يخاف من ذهابه
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر ما الذي فعل الفقر المال
شبح
زائل وضل حائل والعلم يبقى الى الممات المال عرض السعادة والعلم هو نفس تلك السعادة ولو كان للمال فضل ما ابي النبي صلى الله عليه وسلم ان تتحول له الجبال ذهبا ولذا فانه يتحتم علينا معشر الشرقيين ان نضحي كل نفيس لدينا لنيل الغنى الحقيقي المضمن للسعادة الحقة الا وهو العلم